تحولت الأزمة التي تضرب حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واحدة من أخطر الهزات السياسية التي شهدتها بريطانيا منذ سنوات، وسط تصاعد الدعوات المطالبة برحيله واستقالات متتالية من حكومته، وتحركات متسارعة داخل حزب العمال للبحث عن خليفة محتمل.
فبعد أقل من عامين على وصوله إلى السلطة، يجد ستارمر نفسه محاصراً بأزمة قيادة غير مسبوقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع فيه شعبية حزب العمال بعد نتائج انتخابية وُصفت بـ”الكارثية” في الانتخابات المحلية بإنجلترا والانتخابات البرلمانية في اسكتلندا وويلز.
واعتبرت صحيفة “الغارديان” أن تمسك ستارمر العلني بمنصبه وإعلانه أمام حكومته أن “البلاد تتوقع منا أن نواصل الحكم”، لم ينجحا في تهدئة العاصفة السياسية المتصاعدة داخل الحزب.
تصاعد التمرد داخل حزب العمال
انفجرت الأزمة بصورة علنية بعدما تجاوز عدد نواب حزب العمال الذين طالبوا ستارمر بالتنحي أو تحديد جدول زمني لرحيله أكثر من 80 نائباً، وهو رقم يقترب من الحد المطلوب لإطلاق تحد رسمي على قيادة الحزب.
وفي المقابل، وقع أكثر من 100 نائب من الحزب رسالة تؤكد أن “الوقت ليس مناسباً لمعركة على القيادة”، في محاولة لإظهار الدعم لرئيس الوزراء ومنع انزلاق الحزب إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
لكن المشهد ازداد تعقيداً مع استقالة أربعة وزراء من الحكومة، بينهم شخصيات بارزة مثل جيس فيليبس وزيرة الحماية البريطانية، التي أكدت في خطاب استقالتها أن ستارمر “رجل جيد”، لكنه لم يعد قادراً على إحداث التغيير المطلوب.
كما دعت وزيرة المجتمعات المحلية مياتا فاهنبوليه إلى “انتقال منظم للسلطة”، في أول إشارة علنية من داخل الحكومة إلى ضرورة البحث عن قيادة جديدة.
وانضم لاحقاً إلى موجة الاستقالات وزير الدولة زبير أحمد، الذي دعا ستارمر إلى التنحي، إلى جانب استقالة وكيلة وزارة العدل أليكس ديفيز جونز احتجاجاً على أسلوب إدارة الحكومة.
معركة الخلافة بدأت مبكراً
ورغم استمرار بعض الوزراء في إعلان دعمهم العلني لستارمر، فإن معركة خلافته بدأت بالفعل داخل أروقة الحزب.
وتكشف تقارير إعلامية بريطانية، بينها مجلة “تايم”، عن بروز عدة أسماء مرشحة لقيادة الحزب والحكومة في حال سقوط ستارمر.
ويتصدر المشهد وزير الصحة ويس ستريتنج، الذي نجح خلال الفترة الماضية في تقديم نفسه كوجه إصلاحي قادر على إدارة الملفات الخدمية المعقدة، خصوصاً ملف إصلاح هيئة الخدمات الصحية البريطانية.
لكن العقبة الرئيسية أمام ستريتنج تتمثل في عدم قدرته حتى الآن على جمع دعم 81 نائباً لإطلاق تحد رسمي على القيادة.
وفي المقابل، يواصل عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام تعزيز حضوره باعتباره المرشح الأكثر شعبية داخل القاعدة العمالية، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تفوقه الواضح على ستارمر من حيث القبول الشعبي.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه لا يشغل حالياً مقعداً في البرلمان، ما يعني أنه يحتاج أولاً إلى الفوز بانتخابات فرعية قبل أن يصبح منافساً فعلياً على زعامة الحزب.
كما يجري تداول أسماء أخرى مثل أنجيلا راينر وإد ميليباند، إلا أن حظوظهما تبدو أقل مقارنة ببورنهام وستريتنج.
انقسامات داخل الحزب
وأظهر إحصاء أجرته وكالة “رويترز” أن نحو نصف النواب المطالبين برحيل ستارمر ينتمون إلى الجناح اليساري للحزب، بينما ينتمي أكثر من ربعهم إلى تيار الوسط، ما يعكس غياب مرشح يحظى بإجماع داخلي حتى الآن.
ويرى أستاذ السياسة بجامعة “كوين ماري” البريطانية تيم بيل أن إقالة ستارمر لن تحسن بالضرورة من فرص حزب العمال الانتخابية، لكنه اعتبر أن حالة الفوضى الحالية ترتبط بشكل مباشر بأسلوب قيادته وسياساته.
وأشار بيل إلى سلسلة من الأخطاء السياسية التي ارتبطت بفترة قيادة ستارمر، من بينها تبنيه “أهدافاً صغيرة وغير مؤثرة” قبل انتخابات 2024، وقبوله هدايا من متبرعين أثارت جدلاً سياسياً، إضافة إلى أدائه المرتبك بشأن الحرب في غزة وخطابه حول “جزيرة الغرباء”.
وأضاف أن التجارب السياسية السابقة تُظهر أن الإطاحة برئيس وزراء أثناء ولايته نادراً ما حسّنت الأداء الانتخابي، إلا في ظروف استثنائية.
غضب داخل القاعدة الشعبية
من جانبه، قال عضو حزب العمال البريطاني مصطفى رجب إن نتائج الانتخابات الأخيرة لم تكن مفاجئة داخل الحزب، مؤكداً أن كثيرين كانوا يتوقعون أن يدفع الحزب ثمن أخطاء ستارمر السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن الغضب داخل القاعدة الشعبية للحزب تصاعد بسبب مواقف الحكومة من الحرب في أوكرانيا، في وقت يعاني فيه البريطانيون من أزمات معيشية متفاقمة في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة.
وأضاف أن الحزب يواجه اليوم أزمة قيادة حقيقية، ويفتقد إلى “شخصية كاريزمية” قادرة على توحيد الصفوف واستعادة ثقة الناخبين، على غرار ما كان يمثله رئيس الوزراء الأسبق توني بلير.
وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة قد تدفع ستارمر إما إلى تنفيذ إعادة هيكلة واسعة للحكومة والحزب، أو مواجهة تصعيد داخلي قد يصل إلى مرحلة المطالبة العلنية بإسقاطه.


