بقلم: رئيس التحرير
في الشرق الأوسط، لطالما كانت الأجهزة الأمنية هي المرآة الصادقة لصحّة الدولة أو اعتلالها. حين ترتبك العواصم، يظهر الارتباك أولاً على بواباتها: في مكاتب الهجرة، على المعابر، وفي نظرات العساكر المحبطين خلف زجاج النوافذ المقفلة. لكن في بيروت، وحين ظن الجميع أن الهيكل تداعى وأن سقف الدولة قد سقط نهائياً فوق رؤوس قاطنيها، ثمّة من قرر أن يدير الأزمة بعقلية "المهندس" لا "المتفرج"، وأن يرمّم الإدارة انطلاقاً من قناعة بسيطة: إن هيبة الدولة تبدأ من كرامة المواطن على عتبة معاملة رسمية.
يعيش جهاز الأمن العام اللبناني اليوم أياماً يمكن وصفها بـ "الذهبية"، وهي مفارقة لافتة في زمن الشحّ والانهيار. تحت قيادة اللواء حسن شقير، يبدو أن المؤسسة قررت التمرد على واقع الترهل العام. لم يعد إنجاز المعاملات للبنانيين والأجانب حقل ألغامٍ من البيروقراطية والتعقيد والانتظار المهين كما كان في السابق.
خلف الجدران الصامتة، ثمة ورشة تطويرية حقيقية قلبت المشهد: مبانٍ تُرمّم، منشآت تُحدث، وآليات عمل تبسّطت لتنتقل من عصر "الأوراق الصفراء" إلى مرونة الإدارة الحديثة. كأن اللواء شقير أدرك مبكراً أن مواجهة الأزمة لا تكون بالشكوى، بل برفع كفاءة الجدران التي تحمي ما تبقى من فكرة الدولة.
الأمن ليس مجرد قبضة حديدية تعتقل وتراقب. الأمن الحقيقي هو انسيابية المعاملة، ونظام المعبر، وصورة المؤسسة التي توحي للداخل والخارج بأن خلف هذه الحدود ثمة دولة تحترم نفسها.
على المعابر الحدودية، وفي قاعات مطار رفيق الحريري الدولي، تلمس التغيير الأبرز. فَعَّل الأمن العام عمله في مكافحة الجريمة، ونظّم حركة الدخول والخروج بما يتلاءم بدقة مع متطلبات استعادة الثقة العربية والدولية بلبنان. في عواصم القرار والخليج، ثمة إعجاب صامت، وأحياناً معلن، بأداء هذا الجهاز.
يُنظر إلى الأمن العام اليوم كجزيرة من الانضباط والاحترافية في بحر من الفوضى اللبنانية، وهو ما أعاد صياغة نظرة الخارج إلى قدرة اللبنانيين على إدارة مؤسساتهم إذا ما توفرت الإرادة والرؤية.
لكن الميزة الأبرز في أسلوب اللواء شقير هي العمل خلف الستار، بعيداً عن صخب المنابر الشاشات التي أدمنها السياسيون.
ينسج الرجل شبكة أمان لبنان بجولات مكوكية بين عواصم الإقليم ومراكز القرار الدولي، يسير بصمت وهدوء مستنداً إلى لغة الأرقام والمصلحة الوطنية العليا.
لم يعد سراً أن هذا الأسلوب أثمر نتائج حيوية تجاوزت البُعد الأمني الصرف إلى عمق الأمن الحياتي للبنانيين. فلعب دوراً أساسياً في تأمين استمرار تزويد لبنان بالفيول من العراق، مستنداً إلى "علاقة ثقة مؤسساتية" صلبة وشفافة استطاع اللواء تثبيتها بين بيروت وبغداد. هي ثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالالتزام والصدقية العالية التي يمثلها شقير في لقاءاته.
في بلدٍ يتقن فيه الكثيرون صناعة اليأس، يثبت الأمن العام اللبناني بقيادته الحالية أن الرهان على المؤسسات ليس وهماً.
إنها قصة رجل قرر ألا ينتظر "عجيبة" سياسية لإنقاذ البلاد، بل راح يصنع "العجيبة اليومية" الصغيرة: إدارة محترفة، حدود منضبطة، وعلاقات دولية تُبنى على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. عاد الأمن العام ليكون وجه لبنان الذي يحبه العرب والعالم. وجه النظام، الكفاءة، والأمل بالمستقبل.


