كشفت تحليلات سياسية أن التصعيد المتبادل بين إيران والولايات المتحدة في محيط مضيق هرمز يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار صعب، في ظل تمسك طهران بورقة الضغط المرتبطة بالملاحة البحرية، ورغبتها في الحفاظ على قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات الاقتصادية العالمية.
أكدت صحيفة نيويورك تايمز في مقال مطول كتبته مديرة مكتبها لشؤون إيران والعراق، إريكا سولومون، أن سلسلة الهجمات المتبادلة التي استمرت أربعة أيام بين إيران والولايات المتحدة في محيط مضيق هرمز وضعت اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، الذي جرى التوصل إليه بعد حرب يسعى الطرفان إلى إنهائها، أمام احتمال الانهيار، في ظل تصاعد التوتر حول أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التصعيد جاء في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة محاولات لاحتواء المواجهة العسكرية والانتقال إلى مسار تفاوضي، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت خلط الأوراق، ودفعت محللين إلى الاعتقاد بأن ما جرى لا يمكن فصله عن حسابات أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في واحد من أهم الممرات المائية في الاقتصاد العالمي.
وأضافت نيويورك تايمز أن محللين يرون أن الخطوة الإيرانية الأخيرة تحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة، لكنها في الوقت ذاته تعكس ما يعتبرونه "مقامرة ضرورية" من جانب طهران، التي تسعى إلى الحفاظ على ورقة ضغط مركزية تتمثل في قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وأوضحت الصحيفة أن هذه القدرة على التأثير في الملاحة الدولية لم تعد مجرد عنصر ثانوي في الاستراتيجية الإيرانية، بل أصبحت، وفق توصيف عدد من الخبراء، جزءًا أساسيًا من أدوات الضغط التي تعتمد عليها طهران في مواجهة الولايات المتحدة، سواء على طاولة المفاوضات أو في حال العودة إلى المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، لفتت نيويورك تايمز إلى أن التطورات الأخيرة تزامنت مع تحركات دولية بارزة، من بينها إعلان سلطنة عمان والمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة عن مسار ملاحي جديد في المضيق، يمر حصريًا عبر المياه الإقليمية العمانية، وهو ما اعتبره محللون تطورًا قد يهدد الركيزة الأساسية في استراتيجية إيران القائمة على التأثير المباشر في حركة المرور عبر المضيق.
ونقلت الصحيفة عن علي واعظ، كبير المحللين المختصين بالشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن "سواء في أفضل السيناريوهات أو أسوأها، فإن إيران تحتاج إلى هذه الورقة"، في إشارة إلى أن قدرة طهران على التأثير في الملاحة البحرية تمثل عنصرًا لا يمكن التخلي عنه في حساباتها الاستراتيجية.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن توقيت هذه التطورات يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإقليمية حول مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران، إذ لم يتضح بعد متى أو أين يمكن أن يلتقي الطرفان مجددًا، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن الجانب الإيراني ينظر إلى سيطرته على المضيق باعتبارها أداة رئيسية لانتزاع تنازلات في أي مفاوضات مستقبلية.
وبحسب التقرير، تسعى إيران للحصول على تخفيف للعقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة عليها منذ سنوات، في حال التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وهو ما قد يتضمن تقليصًا كبيرًا أو تسليمًا لمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يُنظر إليه باعتباره المادة الأقرب للاستخدام في تصنيع سلاح نووي، رغم تأكيد طهران أن برنامجها النووي سلمي بالكامل.
ولفتت الصحيفة إلى أن قدرة إيران على تطوير برنامجها النووي كانت لعقود تعتبر "رادعًا استراتيجيًا" في مواجهة الضغوط الغربية، إلا أن التطورات الأخيرة في مضيق هرمز أضافت بعدًا جديدًا لهذا الردع، يتمثل في القدرة على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي من خلال تعطيل حركة الملاحة في الممر البحري الحيوي.
كما نقلت نيويورك تايمز عن خبراء قولهم إن إيران ترى أن أي ترتيبات مستقبلية لا تضمن استمرار دورها في الإشراف أو التأثير على المضيق قد تُضعف من موقفها التفاوضي، وهو ما يدفعها إلى التشدد في هذا الملف، خصوصًا في ظل التحولات الجارية على مستوى إدارة الملاحة الدولية في المنطقة.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن إيران اعتبرت التحركات الأخيرة، بما في ذلك المسار الملاحي الجديد الذي تم الإعلان عنه دون إشراكها المباشر، بمثابة تجاوز لآلية التفاهمات القائمة، ما دفعها إلى التحرك بسرعة للتأكيد على رفضها لهذه الترتيبات.
ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قوله، خلال مؤتمر صحفي في بغداد، إن أي محاولات لفرض ترتيبات منفصلة عن تلك التي تسعى إليها الجمهورية الإسلامية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد، وتأخير إعادة فتح مضيق هرمز، فضلًا عن زيادة التوتر في المنطقة.
وفي السياق نفسه، أشارت نيويورك تايمز إلى أن قادة إيرانيين يرون أن بعض بنود التفاهمات السابقة، التي جرى التوصل إليها في إطار وقف إطلاق النار، صيغت بعبارات فضفاضة، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، خصوصًا فيما يتعلق بمسؤولية إدارة الممر البحري وآليات ضمان حرية الملاحة.
وبحسب التقرير، فإن إيران تستند في تفسيرها إلى أن هذه البنود تمنحها دورًا في الإشراف على الممر المائي، من خلال التزامها بضمان مرور آمن في المضيق، إضافة إلى ضرورة التنسيق مع سلطنة عمان بشأن الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المنطقة، وهو ما تعتبره جزءًا من حقوقها السيادية غير القابلة للتجاوز.
كما أشارت الصحيفة إلى أن التحرك العماني الأخير، بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، من دون تنسيق مباشر مع طهران، فُهم داخل الدوائر الإيرانية على أنه إخلال بالتفاهمات القائمة، ما دفعها إلى الرد عبر خطوات ميدانية، بينها استهدافات في محيط الملاحة التجارية، في محاولة لإعادة التأكيد على قدرتها في التأثير على الوضع الأمني في المضيق.
ونقلت نيويورك تايمز عن محللين قولهم إن هذا النمط من التصعيد يعكس نهجًا جديدًا لدى القيادة الإيرانية، يقوم على الدمج بين التصعيد المحدود والدبلوماسية، في محاولة لإيصال رسالة مزدوجة مفادها أن طهران مستعدة للتفاوض، لكنها في الوقت ذاته قادرة على التصعيد إذا اقتضت الحاجة.
وفي السياق ذاته، أشارت إيلي جيرانمايه، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن هذا النهج يعكس تغيرًا في أسلوب إدارة الملف الإيراني، مقارنة بالاستراتيجية السابقة التي كانت تميل إلى تجنب المواجهة المباشرة، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة.
كما نقل التقرير عن خبراء آخرين أن هذا التحول يرتبط أيضًا بتغيرات داخلية في بنية القرار الإيراني، حيث باتت النخب السياسية الجديدة أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر، سواء في التصعيد العسكري أو في الدخول في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.
وأضافت الصحيفة أن بعض التحليلات ترى أن إيران تعتبر المرحلة الحالية فرصة استراتيجية، خاصة في ظل التقديرات التي تشير إلى تردد أمريكي في العودة إلى المواجهة العسكرية، خصوصًا في ظل اعتبارات داخلية تتعلق بالسياسة الأمريكية والانتخابات.
وفي المقابل، لفتت نيويورك تايمز إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجه هي الأخرى معضلة، إذ تحظى أي عودة إلى الحرب بمعارضة داخلية، في حين أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل خيار التهدئة المؤقتة أكثر جاذبية في الوقت الراهن.
واختتمت الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى أن كلا الطرفين، رغم استمرار الانتهاكات والاشتباكات المتفرقة، يملكان دوافع قوية للإبقاء على مسار التفاوض، إذ تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول مجمدة، بينما تسعى واشنطن إلى تجنب أزمة طاقة جديدة وصراع واسع النطاق، غير أن استمرار التوترات الميدانية قد يجعل عملية السلام أكثر هشاشة ويطيل أمدها دون تحقيق اختراقات جوهرية في الملفات الأساسية.


