العراق

ملف مكافحة الفساد في العراق.. هل تفلت الرؤوس الكبيرة؟


ملف مكافحة الفساد في العراق.. هل تفلت الرؤوس الكبيرة؟

في وقت تتوالى فيه إعلانات القضاء العراقي عن ضبط مبالغ مالية ضخمة في ملف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تسير عجلة العدالة في العراق باتجاه اقتلاع الفساد من جذوره، أم أن الحملة ستتوقف عند حدود لا تتجاوز الحلقات الصغيرة؟.

قدّم كل من أستاذ العلوم السياسية في جامعة كركوك الدكتور مهند الجنابي، ورئيس تحرير صحيفة السياسة العراقية عادل المانع، إجابتان متقاطعتان لـ"غرفة الأخبار" على "سكاي نيوز عربية"، في قراءة تحليلية تكشف عن مفارقة عميقة بين زخم الملاحقات القضائية واستمرار تحصّن ما يوصف بـ"الدولة العميقة".

واستحضر الجنابي سابقة قضية "الأمانات الضريبية" التي برزت في نهاية عهد مصطفى الكاظمي وبداية عهد محمد شياع السوداني، معتبرا أن المقاربة بينها وبين الملف الحالي لا تزال واقعية، باعتبار أن هناك أدلة على استمرار ملف مكافحة الفساد في الحكومة الحالية.

وشدد الجنابي على أن رؤوسا كبيرة متورطة بالعبث بالمال العام لا تزال حرة طليقة خارج القضبان ولم توجَّه إليها تهم حتى الآن، لافتا إلى أن الملاحقات لا تزال محصورة في ملف واحد من القطاع النفطي هو ملف مصفاة بيجي.

ولهذا اعتبر الجنابي أن الحكم على نجاح حملة مكافحة الفساد أمر سابق لأوانه، رغم تأكيده أن عملية الاعتقالات التي شملت نوابا ومسؤولين قبل أكثر من أسبوع "مهمة جدا" ووضعت الدولة العراقية على مسار المعركة ضد الفساد، بشرط استمرار الدعم القضائي المتكامل لجهود الحكومة.

وفي المقابل، ذهب المانع إلى تفكيك جوهر الأزمة من زاوية أكثر تشاؤما، مؤكدا أن مكافحة الفساد مطلب وطني منطقي يتفق عليه المواطن البسيط والمسؤول على حد سواء، لكنه جزم بأن الرؤوس الكبيرة من رؤساء الأحزاب والكتل لن تطالها العدالة، لأن "الكل متورط"، مستندا إلى ما وصفه بدليل قاطع لا يقبل الشك يثبت تورط التصنيفات السياسية الثلاثة الشيعية والكردية والسنية في الفساد ودعمه.

وربط المانع ذلك "بتكالب الأحزاب على الوزارات السيادية" تحديدا كونها تدرّ أموالا كافية ضمن الموازنات، مستشهدا بمقولة سياسية عراقية متداولة مفادها أن الجميع يعلم بفساد الجميع.

الدولة العميقة ومخاوف الانهيار السياسي

اتفق المتحدثان على وجود ما وصفاه بـ"الدولة العميقة"، لكنهما اختلفا في تقدير أثرها المستقبلي.

ورأى المانع أن عدم إصدار القضاء أحكاما بحق رؤوس كبيرة سيقود إلى توقف الحملة عند مرحلة معينة خشية أن يؤدي المضي فيها إلى انهيار النظام السياسي في العراق.

أما الجنابي فاعترض على هذا التصور، مؤكدا أن اعتقال شخصية تقليدية رئيسية في النظام السياسي لا يمكن أن يهدد النظام نفسه، معتبرا أن أكبر خطر واجه العراق كان ملف السلاح خارج سيطرة الدولة والفصائل المسلحة، وأن الحكومة نجحت بضغوط وشروط أميركية في قطع أشواط بشأنه، بينما يبقى تحدي المحاصصة السياسية جذر المشكلة الحقيقي الذي يسبق حتى تشكيل الحكومات نفسها.

أساليب الملاحقة

كشف المانع عن معطى لافت مفاده أن حدة الملاحقات القضائية للفاسدين، على مستوى الاعتقالات العلنية كما حصل مع عالية نصيف وحسن الجنابي وآخرين، قد خفّت، لكنها لم تتوقف بل تحوّلت إلى أسلوب آخر يتمثل في اتصالات هاتفية مباشرة بأشخاص مطلوبين تُطلب منهم مبالغ مالية تصل إلى 5 ملايين دولار وفق الملفات المفتوحة بحقهم.

ونفى الجنابي بشكل قاطع أن تكون هذه الملفات أو عمليات إلقاء القبض على المسؤولين تستهدف الإقصاء السياسي، مؤكدا أنها قضية قانونية وقضائية خالصة وليست سياسية، وأن القضاء يسير في مسار مستقل ومساند لإجراءات الحكومة.

إصلاحات مؤسساتية أم استقلال قضائي فقط؟

شدد المانع على أن استقلالية القضاء ثبتت للقاصي والداني، وأنه بات قادرا على اتخاذ إجراءاته دون ضغوط، غير أن ملاحقة الفاسدين لا تتم إلا باستكمال الأوراق القضائية، فتنفّذ الحكومة ما يقرره القضاء لاحقا.

وتساءل عن سبب عدم تشريع الحكومات الست السابقة منذ عام 2005 لمكافحة الفساد رغم علمها بملفاته، مرجعا ذلك إلى أن الظروف المواتية، ومن بينها الدعم والرغبة الأميركية في ملاحقة الفاسدين، لم تكن متوافرة سابقا كما هي عليه الآن.

من جانبه، شدد الجنابي على أن نجاح الحملة لن يكتمل دون إصلاحات جذرية تشمل آلية تشكيل الحكومات بعيدا عن المحاصصة والائتلافات الإجبارية، مستذكرا توصيات القاضي فائق زيدان المبكرة بشأن حق الكتلة الفائزة في تشكيل الحكومة استنادا إلى المادة 76 من الدستور، إلى جانب ضرورة تفعيل الرقابة النيابية الكاملة دون استثناء أي طرف سياسي.

يقرأون الآن