برج الساعة في ساحة النجمة.. القصة والتاريخ

برج الساعة في ساحة النجمة.. القصة والتاريخ

يحتل برج الساعة موقعاً مركزياً في قلب وسط بيروت. حيث يتوسط الساحة الشهيرة المحاطة بمبنى البرلمان اللبناني وعدد من الأبنية التراثية ذات الطابع المعماري المميز. وعلى مدى عقود طويلة، تحول البرج من مجرد معلم عمراني إلى أحد أبرز الرموز التي تعكس هوية العاصمة اللبنانية.

وعلاوة على ذلك، ارتبطت صورة البرج في أذهان اللبنانيين والزوار بمشاهد الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في البلاد. ما جعله واحداً من أكثر المواقع تصويراً وزيارة في بيروت.

بداية الحكاية.. من هو ميشال العبد؟

تعود قصة البرج إلى رجل الأعمال اللبناني المغترب ميشال العبد. الذي ينحدر من منطقة حامص قرب زحلة. وقد هاجر في شبابه إلى المكسيك. حيث تمكن من بناء ثروة كبيرة وتحقيق نجاحات اقتصادية لافتة.

ومع ازدياد ارتباطه بوطنه الأم، قرر في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي تقديم هدية مميزة إلى مدينة بيروت. وتمثلت هذه المبادرة في تمويل إنشاء برج ساعة حديث في ساحة النجمة التي كانت تشهد آنذاك مشروعاً عمرانياً كبيراً لإعادة تنظيمها وتطويرها.

ومنذ ذلك الحين، أصبح البرج يعرف شعبياً باسم "ساعة العبد" تكريماً لصاحب المبادرة الذي أراد أن يترك بصمة دائمة في قلب العاصمة اللبنانية.

تصميم معماري يجمع بين الحداثة والتراث

برج الساعة في ساحة النجمة
برج الساعة في ساحة النجمة


المهندس مارديروس ألتونيان

أُوكلت مهمة تصميم البرج إلى المهندس المعماري اللبناني الشهير مارديروس ألتونيان. الذي يعد من أبرز الأسماء في تاريخ العمارة اللبنانية الحديثة.

ويكتسب هذا الاختيار أهمية خاصة لأن ألتونيان هو أيضاً مصمم مبنى البرلمان اللبناني المواجه مباشرة للبرج. ما ساهم في خلق انسجام بصري ومعماري بين أبرز معالم ساحة النجمة.

مزيج من الآرت ديكو والطراز الشرقي

اعتمد تصميم البرج على أسلوب الآرت ديكو الذي كان منتشراً عالمياً خلال ثلاثينيات القرن العشرين. مع دمج عناصر معمارية مستوحاة من الطراز الإسلامي النيو-مملوكي.

وقد منح هذا المزيج البرج شخصية فريدة تجمع بين الحداثة الأوروبية والهوية الشرقية. الأمر الذي ساعده على الاندماج بانسجام مع المباني التاريخية المحيطة بالساحة.

بناء البرج ومواصفاته الفنية

بدأ تنفيذ المشروع خلال عام 1933. واكتملت أعمال البناء في العام التالي ليصبح البرج أحد أبرز معالم بيروت الحديثة آنذاك.

ويتميز البرج بعدد من المواصفات الهندسية التي ساهمت في شهرته. ومن أبرزها:

ارتفاع البرج

يبلغ ارتفاع البرج نحو 15 متراً. ما يجعله نقطة بصرية بارزة في وسط ساحة النجمة دون أن يحجب رؤية المباني التاريخية المحيطة.

الحجر اللبناني التقليدي

استخدم في البناء الحجر الجيري اللبناني الأصفر المائل إلى لون المغرة. وهو من المواد التي اشتهرت بها العمارة البيروتية التقليدية.

الساعات الأربع

يضم البرج أربع ساعات كبيرة تواجه الجهات الأربع: الشمال والجنوب والشرق والغرب. بحيث يمكن رؤيتها من مختلف مداخل الساحة. وقد ساهمت هذه الساعات في تحويل البرج إلى مرجع زمني لسكان المدينة وزوارها. فضلاً عن قيمته الجمالية والمعمارية.

برج الساعة خلال الحرب الأهلية اللبنانية

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. دخل البرج واحدة من أصعب المراحل في تاريخه. فبسبب وقوع ساحة النجمة ضمن منطقة التماس في وسط بيروت. تعرض البرج لأضرار جسيمة نتيجة القصف والاشتباكات التي شهدتها المنطقة لسنوات طويلة.

وأصيبت واجهاته الحجرية بالرصاص والشظايا. كما توقفت الساعات عن العمل بالكامل. بالإضافة إلى ذلك. فقدت أجزاء من آلياته الداخلية وتعرضت بعض مكوناته للتلف أو السرقة خلال سنوات الحرب.

وفي المقابل، تحول البرج إلى شاهد صامت على مرحلة مؤلمة من تاريخ لبنان. تماماً كما حدث مع العديد من المعالم التاريخية في وسط العاصمة.

برج الساعة في ساحة النجمة
برج الساعة في ساحة النجمة

إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى البرج

بعد انتهاء الحرب الأهلية وبدء مشروع إعادة إعمار وسط بيروت خلال التسعينيات. كان برج الساعة من بين أبرز المعالم التي خضعت لعمليات ترميم دقيقة. وشملت أعمال الترميم تنظيف الحجارة الأصلية وإصلاح الأجزاء المتضررة وإعادة تصنيع العناصر المفقودة وفق المخططات التاريخية الأصلية.

وعلاوة على ذلك، تم تحديث النظام الميكانيكي للساعات بالتعاون مع خبراء متخصصين لضمان دقة عملها واستمراريتها. ومع إعادة افتتاح ساحة النجمة عام 1998. عاد البرج إلى مكانته الطبيعية كأحد أبرز رموز العاصمة اللبنانية. وأصبح يمثل صورة النهوض وإعادة البناء بعد سنوات الحرب الطويلة.

برج الساعة وشاهد على محطات لبنان الحديثة

لم تقتصر أهمية البرج على قيمته التاريخية والمعمارية فقط. بل ارتبط أيضاً بالعديد من الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدها لبنان خلال العقود الأخيرة.

فقد كانت ساحة النجمة المحيطة به مسرحاً للاحتفالات الوطنية والمهرجانات الشعبية والمناسبات الرسمية الكبرى. وكما شهدت المنطقة العديد من الاعتصامات والتحركات الشعبية التي شكلت محطات مهمة في الحياة السياسية اللبنانية.

ومن جهة أخرى، بقي البرج حاضراً في المشهد البيروتي بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020. حيث استعاد دوره كرمز للصمود والأمل وإرادة النهوض رغم التحديات.

لماذا يعد برج الساعة من أشهر معالم بيروت؟

هناك عدة أسباب جعلت البرج يحتفظ بمكانته المميزة حتى اليوم. من أبرزها:

-موقعه المركزي في قلب العاصمة.

-ارتباطه بتاريخ بيروت الحديث.

-قيمته المعمارية الفريدة.

-رمزيته الوطنية والثقافية.

-حضوره في أهم الأحداث السياسية والاجتماعية اللبنانية.

بالإضافة إلى ذلك، يظل البرج واحداً من أكثر المواقع التي يقصدها الزوار الراغبون في اكتشاف تاريخ وسط بيروت والتعرف إلى معالمها التراثية.

وفي النهاية، يمثل برج الساعة في ساحة النجمة أكثر من مجرد معلم معماري جميل. فهو صفحة حية من تاريخ بيروت وذاكرة تختصر تحولات لبنان خلال ما يقارب قرناً من الزمن. ومع استمرار ساحة النجمة في استقطاب الزوار والفعاليات. يبقى برج الساعة رمزاً دائماً للزمن الذي مر على بيروت وللقدرة المستمرة على النهوض والتجدد.

شاهد أيضاً

أفضل مطاعم السوشي في الجميزة

أفضل مطاعم البيتزا في الجميزة

أفضل كوفي هاوس في بيروت

يقرأون الآن