تدخل إسرائيل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، مع دفع الإدارة الأميركية نحو تسويات متزامنة تشمل غزة ولبنان وإيران، في مسار يرى فيه مسؤول استخباري إسرائيلي سابق خطرًا مباشرًا على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، وعلى قدرة تل أبيب على العودة إلى المواجهة إذا انهارت التفاهمات المطروحة.
وبحسب مقال للعميد احتياط حنان غيفن، القائد السابق للوحدة 8200، نشره موقع "معاريف" الإسرائيلي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من القيادة الإسرائيلية والجمهور الإسرائيلي "الصبر والحزم"، معتبرًا أن السياسة الأميركية "الموسعة"، رغم سعيها المعلن إلى تحقيق الاستقرار، تدفع إسرائيل إلى مسار تصبح فيه قدرتها على استئناف القتال والدفاع عن نفسها أكثر تقييدًا.
ويرى غيفن أن الإدارة الأميركية تعتمد حاليًا مقاربة متعددة الأبعاد لمعالجة أزمات المنطقة، تشمل أدوات اقتصادية، ومبادرات للحد من الأسلحة التي تعتبرها واشنطن تهديدًا، إلى جانب إشراك متزايد لقوى دولية.
وبرأيه، تبدو هذه المقاربة في ظاهرها جهدًا دبلوماسيًا واسعًا، إلا أن نتيجتها العملية تتمثل في دفع إسرائيل إلى مسار يتراجع فيه تدريجيًا هامش حريتها العسكرية.
ويشير إلى نمط أميركي متكرر في مختلف الجبهات، إذ تبدأ واشنطن المفاوضات بمواقف حازمة، لكنها تميل، كلما طالت المباحثات وتعثرت، إلى تقديم تنازلات في بنود يعتبرها أساسية، ما يؤدي، وفق تقديره، إلى صياغة ترتيبات لا تستطيع إسرائيل القبول بها.
وفي قطاع غزة، يعتبر الكاتب أن التوجه الأميركي والدولي يثير قلقًا خاصًا، في ظل ما وصفه بمحاولات مكثفة لدفع مشاريع إعادة الإعمار قدمًا قبل تحديد آليات تفكيك سلاح حماس.
ويرى أن "آلية الإدارة البديلة" المقترحة تسمح لحماس بالبقاء في المدى القريب ضمن مستوى منخفض من الظهور، قبل أن تتمكن لاحقًا من إعادة بناء قدراتها، معتبرًا أن الحركة، في أي سيناريو مماثل، ستحتفظ بنفوذ واسع على السكان وستحول دون دخول قوى أخرى إلى القطاع.
أما على الجبهة الشمالية، فيقول غيفن إن الإيرانيين يربطون بقاء حزب الله بمجمل الاتصالات التي يجرونها مع الأميركيين.
ويصف بـ"المقلق والخطير" ما اعتبره سهولة موافقة مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، ومن بينهم، وفق ما ورد في المقال، "نائب الرئيس ستيف ويتكوف"، على ربط الاتفاق مع إيران بوقف إطلاق النار في لبنان، معتبرًا أن ذلك يمنح طهران ورقة ضغط مباشرة على الأمن الإسرائيلي.
وعند الانتقال إلى إيران، يرى الكاتب أن المشهد يعكس، بحسب وصفه، صورة قاتمة للسياسة الخارجية الأميركية، معتبرًا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وصلت إلى مفترق حاسم.
ويشير إلى أن المفاوضات السياسية مع ما وصفه بـ"النظام الإيراني المنقسم" تضع المفاوضين الأميركيين في موقف محرج، إذ يكرر كبار المسؤولين، بدءًا من الرئيس، بصورة شبه يومية، أن المفاوضات بشأن مضيق هرمز ستنتهي خلال فترة قصيرة، قبل أن تصدر سريعًا تصريحات تصعيدية من الحرس الثوري الإيراني تطالب بانسحاب أميركي من المنطقة، ودفع تعويضات، ورفع جميع العقوبات.
وفي الجانب العسكري، يشير غيفن إلى عودة التساؤلات بشأن أهداف الحرب، في ظل تقارير عن نقص في صواريخ الهجوم وصواريخ الاعتراض.
ويضيف أن الإيرانيين استعادوا قدراتهم وتعافوا، ويطلقون تهديدات واضحة ضد دول الخليج وأي جهة تساعد الولايات المتحدة، بالتوازي مع استمرار طهران، وفق المقال، في التحرك ضد السفن التجارية في مضيق هرمز، واستخدام الحوثيين والفصائل العراقية في مواجهة السعودية ودول خليجية أخرى.
وبرأي الكاتب، أدت هذه التحركات إلى موجة ردود فعل مضادة لإيران في الشرق الأوسط، أبرزها، من حيث الأهمية الاستراتيجية بعيدة المدى، قيام التحالف الدفاعي بين باكستان وتركيا والسعودية، المعروف باسم "تحالف مكة".
ويعتبر أن اختيار الاسم لم يكن عشوائيًا، بل جاء لإرسال رسالة واضحة ومبطنة في الوقت نفسه إلى المسلمين في العالم، مفادها أن خطوط المواجهة تغيرت، وأن الصراع الإقليمي بات، في جوهره، مواجهة سنية - شيعية.
وفي خلاصته، يرى غيفن أن إسرائيل باتت تقف في قلب شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، في ظل ضغوط للتوصل إلى تسويات يعتبر أنها "تدلل حماس، وتحتضن حزب الله، وتتردد أمام إيران".
ويدعو إلى إقامة ما وصفه بـ"جدار حديدي" في مواجهة هذه الضغوط، معتبرًا أن الصبر والحزم، إلى جانب الحفاظ على استقلالية إسرائيل في ضرب خصومها عند الضرورة، هما السبيل لضمان مستقبلها في المنطقة.
ويختم بالتشديد على أنه "لا يجوز أن نتحول إلى ورقة مساومة في مفاوضات الآخرين"، في تعبير يعكس حجم القلق داخل بعض الأوساط الأمنية الإسرائيلية من أن تتحول التسويات الأميركية الإقليمية إلى قيود طويلة الأمد على حرية الحركة الإسرائيلية.


