خاص - لم تعد جوليا… ولم يعد الجنوب


الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل. أحتسي قهوتي التي اعتدت أن أشربها قبل النوم، ثم أضع جوليا بطرس. هذه المرة لا أريد أغاني الحرب، بل أريد أغاني الحب، أريد صوتًا يشبه الأيام العادية، صوتًا لا يذكّرني بصاروخ أو انفجار أو خبر عاجل يصلني في منتصف الليل.


لكنني، وأنا أستمع، انتبهت إلى شيء غريب: منذ متى لم أسمع جوليا؟ حاولت أن أتذكر آخر مرة، فلم أجد سوى الطريق إلى الجنوب. كنت أسمعها وأنا ذاهبة إلى هناك.


أنا لست من الجنوب، لكنني لطالما شعرت أن للجنوب شيئًا يخص كل لبناني، كأن تلك الأرض، مهما ابتعدنا عنها، تعرف كيف تجد طريقها إلينا. وربما لأن صوت جوليا نفسه حمل شيئًا من الجنوب إلى كل لبنان، فوصل إلى بعلبك بعد حرب تموز، حين صدح صوتها أمام جمهور جاء ليستمع إلى شيء يشبه الحياة بعد كل ذلك الموت.


لكن جوليا غابت. منذ ثلاث سنوات، لم تنشر سوى خمسة فيديوهات. خمسة فيديوهات فقط. وفي كل مرة، كأنها تأتي لتطبطب علينا، تمنحنا جرعة من ذلك الصوت القديم، من حفل 2006، من الطبول والهتافات، من ذلك الشعور الذي يشبه القوة. نعيد نشر الفيديو، نرسله لبعضنا، نضعه في الستوري ، نعيش معه أربعًا وعشرين ساعة، ثم تختفي جوليا ويختفي الفيديو، ونعود إلى الألم نفسه والسؤال نفسه: أين جوليا؟


انتظرناها بعد انتهاء حرب 2024، لكنها لم تظهر. نشرت فيديو من أرشيفها وبقيت هي غائبة. شعرت يومها أن شيئًا ناقصًا. أين الصوت الذي اعتدنا أن نسمعه في الحرب والهدنة؟ أين الصوت الذي يستطيع أن يقف في وجه صوت الصواريخ؟


ثم عادت الحرب، بالصواريخ والتفجيرات والدم والقتلى والمفقودين والمشرّدين. وقيل لنا لاحقًا إن الحرب انتهت. لكن كيف تنتهي والجنوب لا يزال محتلاً؟

وكيف تنتهي والجنوبيون لا يزالون في بيروت؟

لا عيب في أن يبقوا هنا، فبيروت بيتهم أيضًا، لكنني أريدهم أن يعودوا.

أريد أن أعود أنا أيضًا إلى الجنوب، أن نلتقي هناك على الطريق ونغني، أن أفتح نافذة السيارة وأسمع: «أنا بتنفس حرية، ما تقطع عني الهوا».


لكن ذلك لم يحدث. الجنوب لم يعد، وجوليا لم تعد، والحرب… لا أعرف إن كانت قد انتهت أصلًا.


لا أدري إلى أين تذهب بلادي، ولا كم علينا أن ننتظر حتى نشعر أن الأشياء عادت إلى مكانها الطبيعي. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: «كلن يا جنوب باعوك الكلام».


وأعرف أنني ما زلت، في منتصف الليل، أضع جوليا بطرس وأبحث عن ذلك الشعور القديم، الشعور الذي يقول إن الحرب انتهت فعلًا. لذلك، ربما لا أنتظر جوليا كفنانة، بل أنتظرها كإشارة، كصوت أحتاج إلى سماعه كي أصدّق.


فمتى تعود جوليا؟ ومتى يعود الجنوب؟ ومتى أستطيع أن أسمع صوتها من جديد، وأعرف أن الحرب… انتهت فعلًا؟

يقرأون الآن