تقع كنيسة مار شليطا في ساحة بلدة تنورين الفوقا في قضاء البترون شمال لبنان. وتحتل موقعاً بارزاً داخل النسيج التاريخي للبلدة. وتأتي أهميتها من اجتماع القيمة الدينية مع الموقع التراثي الذي يضم عدداً من المعالم الطبيعية والأثرية.
وتعرف الكنيسة أيضاً باسم كنيسة القديس أرتاميوس. بينما يستخدم اسم مار شليطا على نطاق واسع في المنطقة. ويمنح وجودها في وسط البلدة الزائر فرصة للجمع بين زيارة المعلم الديني واستكشاف تنورين ومحيطها الجبلي والطبيعي.
ما تاريخ كنيسة مار شليطا؟
ترتبط كنيسة مار شليطا في تنورين بتاريخ طويل. وتشير الروايات المحلية وبعض المصادر إلى أن الموقع يقوم على بقايا منشأة دينية أقدم. ويرجح البعض أن تكون مرتبطة بمعبد وثني سابق.
وتشير بعض الروايات إلى أن تاريخ الموقع يمتد لنحو 1600 عام. إلا أن تحديد تاريخ البناء الحالي بدقة يحتاج إلى التمييز بين تاريخ الموقع الأثري وتاريخ أجزاء الكنيسة الموجودة اليوم. فقد مر المكان بمراحل متعددة من البناء وإعادة الاستخدام والترميم على مدار قرون طويلة.
وكما تشير بعض الدراسات والوصف المعماري إلى وجود عناصر يمكن ربطها بالعصر البيزنطي. في حين ارتبطت أجزاء أخرى من البناء بإعادة استخدام الحجارة خلال مراحل لاحقة. من بينها الفترة الصليبية.

هل بنيت الكنيسة فوق معبد وثني؟
تتكرر الرواية القائلة إن الكنيسة أقيمت فوق بقايا معبد وثني روماني قديم. وهي رواية متداولة في المصادر المحلية المتعلقة بتاريخ الموقع. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى وجود حجارة وعناصر معمارية قديمة أعيد استخدامها في البناء.
ومع ذلك، من الأفضل التعامل مع هذه المعلومة باعتبارها ترجيحاً تاريخياً وليس حقيقة نهائية مثبتة في جميع الدراسات الأثرية. فإعادة استخدام الأحجار القديمة كانت ظاهرة شائعة في العديد من المواقع اللبنانية. ولا يعني وجود عناصر رومانية أو فينيقية بالضرورة أن كامل البناء الحالي يعود إلى معبد سابق.
ومن جهة أخرى، يضيف احتمال وجود منشأة أقدم تحت الكنيسة أهمية خاصة للموقع. لأنه يعكس التحولات التي شهدتها أماكن العبادة في لبنان عبر العصور.
الهندسة المعمارية لكنيسة مار شليطا
تتميز الكنيسة باستخدام الحجر المحلي في بناء جدرانها وأجزائها المعمارية. وهو أسلوب ينسجم مع طبيعة العمارة التاريخية في القرى الجبلية اللبنانية. وتظهر في البناء عناصر معمارية لافتة دفعت الباحثين والمهتمين بالتراث إلى دراسة مراحل تشكله وتطوره.
ومن العناصر التي يكثر الحديث عنها وجود حنيتين متطابقتين أو تصميم يرتبط بفكرة الخورس المزدوج. وهو عنصر معماري يضيف خصوصية إلى شكل الكنيسة مقارنة بالعديد من المباني الدينية التقليدية.
وكما أن إعادة استخدام بعض الأحجار القديمة تكشف عن مراحل متتالية من البناء والترميم. الأمر الذي يجعل قراءة المبنى نفسه أشبه بقراءة سجل تاريخي متراكم.
الرموز والنقوش الموجودة في الكنيسة
تعتبر النقوش والعلامات الحجرية من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الموقع. فقد أشارت روايات مرتبطة بأعمال الترميم إلى ظهور رموز هندسية وصليب ونقوش مختلفة على بعض الحجارة والعناصر المعمارية.
وتربط بعض الروايات هذه الرموز بفترات تاريخية متعددة. من بينها الحقبتان الرومانية والفينيقية. لكن نسب كل رمز إلى حضارة أو حقبة محددة يحتاج إلى دراسة أثرية متخصصة قبل اعتماده كمعلومة تاريخية نهائية.
وتكمن أهمية هذه العناصر في أنها تشير إلى احتمال إعادة استخدام أحجار ومنشآت أقدم في مراحل بناء لاحقة. ولذلك فإن الكنيسة لا تتميز بمظهرها الديني فقط. بل تحمل أيضاً تفاصيل معمارية يمكن أن تساعد على فهم تاريخ الموقع.
اللوحات والجرس التاريخي
تضم الكنيسة أيضاً لوحات دينية قديمة ارتبطت في الروايات المحلية بصور مار جرجس ومار شليطا. وتضيف هذه الأعمال إلى القيمة الفنية والدينية للمبنى. خصوصاً أنها تنتمي إلى تقاليد فنية كنسية قديمة.
أما جرس الكنيسة الحالي. فتشير المعلومات المتداولة حول الموقع إلى أنه صنع عام 1944 على يد الحرفي فارس النفاع. ويشكل الجرس جزءاً من الذاكرة المحلية للكنيسة. إلى جانب البناء الحجري واللوحات والعناصر الدينية الأخرى.
ترميم كنيسة مار شليطا
مرت الكنيسة بفترات من الإهمال والتدهور قبل أن تبدأ محاولات لإعادة تأهيلها والحفاظ على عناصرها التراثية. وتذكر عمليات ترميم سابقة في أواخر القرن العشرين ساهمت في الكشف عن أجزاء من المعالم والرموز الموجودة في البناء.
وفي عام 2023، شهد الموقع أعمال ترميم وتأهيل جديدة شملت الكنيسة وساحتها. ضمن جهود تهدف إلى إعادة إبرازها كمعلم ديني وتراثي في تنورين الفوقا. وارتبطت عملية الترميم بدعم من منظمة Hungary Helps. وفق مصادر محلية تحدثت عن المشروع.
وتكتسب عمليات الترميم أهمية كبيرة في حالة المباني التاريخية. لأن الحفاظ على الحجر القديم والعناصر الأصلية يتطلب التعامل معها بطريقة تختلف عن ترميم المباني الحديثة.
ما أهمية الكنيسة بالنسبة إلى تراث تنورين؟
لا تنحصر أهمية الكنيسة في بعدها الديني. إذ تمثل جزءاً من الذاكرة المعمارية والاجتماعية لبلدة تنورين. فقد بقيت مرتبطة بحياة السكان والاحتفالات الدينية والمناسبات المحلية. إلى جانب قيمتها كمعلم تاريخي.
بالإضافة إلى ذلك، تساهم المعالم الدينية القديمة في تعزيز السياحة الثقافية في المناطق الجبلية اللبنانية. فالزائر يستطيع اكتشاف الكنيسة ضمن رحلة أوسع تشمل طبيعة تنورين وغاباتها ومواقعها التاريخية.
وتزداد أهمية هذا النوع من المواقع في ظل الاهتمام المتنامي بالسياحة الريفية والثقافية. حيث يبحث الزائر عن تجارب تتجاوز زيارة المعالم التقليدية إلى التعرف على تاريخ القرى وطريقة تطورها عبر الزمن.

متى عيد مار شليطا؟
يحتفل بعيد مار شليطا في 20 أغسطس من كل عام. وتقام بهذه المناسبة الاحتفالات الدينية والقداديس والأنشطة المرتبطة بالعيد في المنطقة. ويمثل العيد مناسبة مهمة لسكان البلدة وأبناء المنطقة والمغتربين الذين يعود بعضهم للمشاركة في الاحتفالات.
وكما يمنح الزائر فرصة للتعرف بصورة أكبر إلى التقاليد الدينية والاجتماعية المرتبطة بالكنيسة. وبما أن موعد العيد يتزامن مع فصل الصيف. يمكن الجمع بين زيارة الكنيسة واكتشاف المعالم الطبيعية والسياحية في تنورين والمناطق المحيطة بها.
من هو مار شليطا أو القديس أرتاميوس؟
يرتبط اسم مار شليطا في هذه المنطقة بالقديس أرتاميوس. وهو اسم يحضر في التراث المسيحي الشرقي وفي عدد من الكنائس والأديرة في لبنان.
ويحظى القديس بمكانة خاصة في بعض التقاليد الشعبية. كما ارتبط اسمه تاريخياً في بعض المناطق بحماية الفلاحين والمواشي. وتختلف تفاصيل هذه التقاليد من منطقة إلى أخرى. إلا أن الاحتفال بعيد القديس بقي جزءاً من الذاكرة الدينية المحلية.
ماذا يمكن أن يزور السائح في تنورين؟
يمكن إدراج كنيسة مار شليطا ضمن برنامج سياحي أوسع في تنورين. خصوصاً أن المنطقة غنية بالمعالم الطبيعية. وتعد غابة أرز تنورين من أبرز الوجهات التي يمكن زيارتها. إلى جانب المسارات الجبلية والمناظر الطبيعية التي تشتهر بها المنطقة.
وكما يمكن للزائر استكشاف القرى والمناطق المحيطة والتعرف إلى العمارة اللبنانية التقليدية والمطاعم والمقاهي المحلية. وفي المقابل، يفضل تخصيص وقت كافٍ للرحلة. لأن طبيعة المنطقة الجبلية تجعل التنقل بين بعض المواقع يستغرق وقتاً أطول مما قد يبدو على الخريطة.
نصائح عند زيارة كنيسة مار شليطا
يفضل التأكد من أوقات فتح الكنيسة قبل الزيارة. خصوصاً إذا كان الهدف مشاهدة الداخل وليس الاكتفاء بمشاهدة المبنى من الخارج. وكما يجب احترام خصوصية المكان باعتباره موقعاً دينياً. وارتداء ملابس مناسبة عند الدخول.
ومن الأفضل أيضاً زيارة المنطقة خلال ساعات النهار. خصوصاً بالنسبة للزوار القادمين للمرة الأولى. ويمكن الجمع بين الزيارة والنزهة في تنورين للاستفادة من الرحلة بشكل أكبر. أما خلال الاحتفالات الدينية في 20 أغسطس. فمن المهم توقع وجود أعداد أكبر من الزوار. ولذلك يفضل الوصول مبكراً ومراعاة حركة المرور والتنظيم المحلي.
لماذا تستحق كنيسة مار شليطا الزيارة؟
تستحق الكنيسة الزيارة لأنها تجمع في موقع واحد بين الدين والتاريخ والعمارة والتراث المحلي. كما أن وجودها في تنورين يجعلها جزءاً من تجربة سياحية أوسع يمكن أن تشمل الطبيعة والقرى الجبلية والغابات.
وعلاوة على ذلك، فإن المباني التاريخية الصغيرة مثل كنيسة مار شليطا تقدم صورة مختلفة عن تاريخ لبنان. بعيداً عن المواقع الأثرية الكبرى المعروفة عالمياً. فهي تعكس كيف استمرت القرى في الحفاظ على ذاكرتها الدينية والمعمارية عبر أجيال متعاقبة.
وفي النهاية، تعد كنيسة مار شليطا في تنورين من المعالم الدينية والتراثية التي تختصر جانباً مهماً من تاريخ شمال لبنان. فالمبنى الحجري يحمل روايات عن مراحل تاريخية متعاقبة. بينما تضيف النقوش والعناصر المعمارية واللوحات والجرس إلى قيمته التراثية.
وفي الوقت نفسه، ساهمت أعمال الترميم الحديثة في إعادة الاهتمام بالكنيسة والحفاظ عليها كجزء من هوية تنورين. ومع حلول عيد مار شليطا في 20 أغسطس من كل عام. تستعيد الكنيسة حضورها الديني والاجتماعي وتصبح نقطة تجمع لأبناء المنطقة والزوار.
شاهد أيضاً
معلومات عن وادي يحشوش في لبنان


