صدر اليوم عن قسم الأبحاث في بنك عوده «تقرير القطاع العقاري للعام 2026»، أظهر أن سوق العقارات اللبناني حافظ على صمود ملحوظ في الأسعار خلال عام 2026 رغم الصدمات الجيوسياسية والأمنية، مع استقرار الأسعار أو ارتفاعها بشكل طفيف، مدفوعاً بشكل أساسي بنقص المعروض من الوحدات السكنية وتركيز الطلب في المناطق المصنفة آمنة.
وبحسب التقرير، استقرت أسعار العقارات في بيروت أو ارتفعت بنسبة تراوحت بين 5% و10% خلال عام 2026، مدفوعة بشكل أساسي بانخفاض العرض وارتفاع تكاليف البناء نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً. وأدى هذا الاتجاه إلى تضييق الفجوة مقارنة بما بعد الأزمة، لتصبح التقييمات السكنية الحالية أقل بنسبة 10% إلى 15% فقط من مستويات ما قبل تشرين الأول 2019. في المقابل، انهارت أسعار العقارات في المناطق المتضررة من القصف، مثل الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان.
وأشار التقرير إلى أن النشاط العقاري في لبنان عكس ظروف الاقتصاد الكلي الراكدة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مع انخفاض المعاملات المسجلة مقارنة بالمستويات المرتفعة للسنة السابقة. وبلغت عمليات البيع 29,404 معاملات خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بانخفاض 25.5% على أساس سنوي، فيما انخفض العدد الإجمالي للمعاملات بنسبة 23.2% إلى 70,924.
وأوضح أن هذا الانخفاض يعكس جزئياً قاعدة المقارنة المرتفعة المسجلة في 2025، عندما أدى إعادة فتح العديد من دوائر السجل العقاري إلى معالجة تراكم كبير للمعاملات المبرمة سابقاً. أما القيمة الإجمالية لمبيعات العقارات، فانخفضت من 3.43 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 إلى 3.25 مليار دولار في الفترة ذاتها من عام 2026، أي بنسبة 5.4% على أساس سنوي.
وفي المقابل، بقي عرض العقارات في لبنان متأثراً بقوى متضاربة خلال الأشهر الأولى من 2026. فمتطلبات إعادة الإعمار الكبيرة والعودة التدريجية لبعض المطورين خلقت إمكانية لعودة النشاط البنائي، إلا أن حالة عدم اليقين الأمني ومحدودية التمويل المصرفي وضعف ثقة المستثمرين استمرت في تأخير تنفيذ المشاريع، ما جعل التعافي في العرض الجديد تدريجياً وغير متساوٍ.
وبلغت رخص البناء الصادرة عن نقابة المهندسين في بيروت 1.53 مليون متر مربع في الربع الأول من 2026، بزيادة 25.5% عن 1.22 مليون متر مربع في الربع الأول من 2025. وجاء ذلك بعد زيادة بنسبة 30.3% في 2025، عندما ارتفعت المساحة المسموح ببنائها من 4.60 مليون متر مربع إلى 5.99 مليون متر مربع. وتشير الزيادة المستمرة إلى تحسن في مسار مشاريع البناء وإعادة الإعمار المخططة، مع أن الرخص لا تترجم بالضرورة فوراً إلى نشاط منفّذ.
أما سيناريوهات الأشهر الـ12 إلى 18 المقبلة، وفق التقرير، فتتمحور حول ثلاثة احتمالات:
السيناريو الأساسي – احتمال 45%: أسعار أكثر ثباتاً إلى حد ما للأصول المكتملة بالدولار «الفريش» في المواقع المميزة، وأسعار أضعف للمخزون غير المميز، وأحجام معاملات أقل من مستويات 2025 حتى تحسن الرؤية الأمنية. وفي ظل هذا السيناريو، قد تستقر أسعار العقارات عند مستوياتها الحالية خلال 12 إلى 18 شهراً.
السيناريو الإيجابي – احتمال 35%: يعتمد على تهدئة أمنية دائمة، وتنفيذ الإصلاحات، والتقدم في حل الأزمة المصرفية، ونشاط إعادة إعمار واضح. وفي ظل هذا السيناريو، قد ترتفع أسعار العقارات بنسبة 20% خلال 12 إلى 18 شهراً.
السيناريو السلبي – احتمال 20%: يعتمد على استمرار النزاع والنزوح وضغط سعر الصرف وتوقف الإصلاحات، ما يؤدي إلى صدمة سيولة جديدة واتساع الفجوة بين العرض والطلب العقاري. وفي ظل هذا السيناريو، قد تنخفض أسعار العقارات بنسبة 10% خلال 12 إلى 18 شهراً.
وعلى المدى الطويل، يبقى الاستثمار العقاري اللبناني مجدياً للمستثمرين الصبورين والانتقائيين، وفق تقرير بنك عوده. فندرة الأراضي المميزة، والتعلق الدائم وقدرة الجالية اللبنانية الشرائية، ودور العقار الملموس كمخزن للقيمة، وآفاق إعادة الإعمار والتطبيع الاقتصادي، توفر دعماً قوياً على المدى الطويل للتقييمات الحالية بالدولار «الفريش»، التي تبقى جذابة مقارنة بالمستويات التاريخية، ما يخلق مجالاً لمكاسب ترسملية مع استعادة الثقة وقنوات التمويل والاستقرار المؤسسي تدريجياً.
إلا أن هذه الحالة غير موحدة في السوق، إذ تبقى الأقوى للأصول المكتملة وذات الموقع الجيد والسليمة قانونياً والمشتراة بأسعار منضبطة، خصوصاً مع محافظة المستثمرين على محفظة متنوعة وأفق استثماري طويل بما فيه الكفاية.


