دولي

تحول تاريخي في سياسة واشنطن.. سوريا خارج قائمة «رعاة الإرهاب»


تحول تاريخي في سياسة واشنطن.. سوريا خارج قائمة «رعاة الإرهاب»

ألغت الولايات المتحدة، الاثنين، تصنيف سوريا كـ«دولة راعية للإرهاب»، بالتزامن مع استكمال إزالة «هيئة تحرير الشام» من منظومة التصنيفات والعقوبات المرتبطة بالإرهاب، في خطوة تمثل تحولاً بارزاً في السياسة الأميركية تجاه دمشق، من العزل والقيود الاقتصادية إلى تشجيع الانفتاح والاستثمار في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ تعهدات الرئيس دونالد ترامب بتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، معتبرة أن إزالة القيود ستساعد على جذب الاستثمارات ودعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد.

وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الخطوة ستسهم في تعزيز المزيد من الاستثمارات في سوريا، بما يدعم استقرارها السياسي والاقتصادي، في مؤشر على أن واشنطن باتت تنظر إلى الملف الاقتصادي باعتباره إحدى أدوات تثبيت المرحلة السورية الجديدة.

ويحمل القرار أهمية خاصة بالنظر إلى أن سوريا ظلت مدرجة على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، وهو تصنيف فرض على مدى عقود قيوداً سياسية ومالية واسعة وأسهم في زيادة عزلة دمشق عن النظام المالي والاقتصادي الدولي.

وكان التصنيف يترتب عليه قيود تتعلق بالمساعدات الأميركية وبعض الصادرات والمعاملات المالية، كما أدى عملياً إلى زيادة المخاطر القانونية والمالية أمام الشركات والمصارف الأجنبية الراغبة في التعامل مع سوريا.

ومن شأن إنهائه إزالة أحد أبرز العوائق أمام إعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في الأسواق الدولية، خصوصاً بعد سلسلة خطوات اتخذتها واشنطن لتفكيك أجزاء من منظومة العقوبات التي ارتبطت بالنظام السابق.

ولا يعني القرار، في المقابل، إنهاء جميع العقوبات الأميركية على سوريا، إذ لا تزال واشنطن تمتلك أدوات لاستهداف أشخاص وكيانات مرتبطة بنظام الأسد السابق أو بأنشطة تصنفها على أنها إرهابية أو مهددة للاستقرار.

وبذلك، يبدو الانفتاح الأميركي أقرب إلى مسار تدريجي ومشروط، يمنح دمشق مساحة أكبر للتحرك الاقتصادي من دون التخلي بصورة كاملة عن أدوات الضغط التي تستطيع واشنطن استخدامها في حال تغير المسار السياسي أو الأمني.

ويأتي القرار ضمن تحول بدأ بصورة تدريجية خلال العام الماضي، وشمل تغيير طريقة تعامل واشنطن مع «هيئة تحرير الشام»، التي كانت تعرف سابقاً باسم «جبهة النصرة».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد ألغت في يوليو 2025 تصنيف الهيئة كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، مستندة إلى إعلان حلها والتزامات السلطات السورية الجديدة بمكافحة التنظيمات الإرهابية، قبل استكمال إزالة القيود المرتبطة بها ضمن منظومة العقوبات المالية.

ويكتسب هذا التحول حساسية سياسية خاصة بالنظر إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع كان يقود الهيئة قبل انتقاله إلى قيادة المرحلة السياسية الجديدة، ما يجعل الإجراءات الأميركية مؤشراً على تغير عميق في تقييم واشنطن للسلطات الجديدة في دمشق.

فبدلاً من التعامل معها حصراً من خلال ماضي الجماعات المسلحة، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تراهن على تحول القيادة الجديدة إلى مؤسسات دولة يمكن التعامل معها، مع ربط ذلك بالتزامات تتعلق بالاستقرار ومكافحة الإرهاب ومنع تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد لدول المنطقة.

وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن يفتح القرار الباب أمام مرحلة مختلفة بالنسبة إلى بلد يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية وقطاعات الطاقة والنقل والصناعة والخدمات والنظام المصرفي.

وتكمن أهمية الخطوة في أن العقوبات الأميركية لم تكن تؤثر فقط على الشركات الأميركية، بل دفعت العديد من المؤسسات الأجنبية إلى الابتعاد عن السوق السورية خشية الوقوع تحت طائلة القيود أو مواجهة مشكلات في تعاملاتها المالية الدولية.

ومع تخفيف هذه المخاطر، يمكن أن تبدأ شركات ومصارف أجنبية بإعادة تقييم فرص العمل في سوريا، كما قد تجد الدول العربية والإقليمية مساحة أوسع للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار.

لكن إزالة العائق الأميركي لا تكفي وحدها لإطلاق تدفقات استثمارية واسعة. فالمستثمرون سيظلون يراقبون الاستقرار الأمني، وسيادة القانون، وحماية رؤوس الأموال، وفاعلية القطاع المصرفي، ووضوح التشريعات وقدرة الدولة على تنفيذ العقود.

ولهذا، سيكون الاختبار الحقيقي للقرار في قدرة دمشق على تحويل الانفراج السياسي مع واشنطن إلى تحسن اقتصادي ملموس، وفي استعداد الدول والشركات والمؤسسات المالية الدولية للدخول إلى السوق السورية.

وبعد عقود من وجود سوريا على واحدة من أكثر القوائم الأميركية حساسية، يمثل قرار واشنطن نقطة تحول سياسية واقتصادية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يفتح مرحلة اختبار للحكومة السورية الجديدة: هل تستطيع استثمار رفع العزلة في إعادة بناء الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال، أم ستبقى العقبات الداخلية أكبر من تأثير الانفتاح الأميركي؟

يقرأون الآن