ارتبطت زحلة بالعرق والنبيذ بعلاقة وثيقة امتدت عبر آلاف السنين. حتى أصبحت المدينة رمزاً لصناعة المشروبات التقليدية في لبنان وأحد أهم المراكز التاريخية لإنتاج النبيذ في منطقة الشرق الأوسط. وقد ساهم موقع زحلة في قلب سهل البقاع. إلى جانب مناخها المعتدل وتربتها الخصبة. في تحويلها إلى بيئة مثالية لزراعة الكروم وإنتاج أجود أنواع العنب.
ولم يقتصر تأثير هذه الصناعة على الجانب الاقتصادي فقط. بل أصبحت جزءاً من هوية المدينة وثقافتها وتراثها. كما حصدت زحلة اعترافاً دولياً بانضمامها إلى شبكة المدن العالمية للنبيذ (World Wine Cities). لتصبح أول مدينة عربية تنال هذا التصنيف. وهو ما عزز مكانتها كواحدة من أبرز وجهات سياحة النبيذ في المنطقة.
بداية زراعة الكروم في زحلة
تعود جذور زراعة العنب في سهل البقاع إلى أكثر من ستة آلاف عام. عندما برع الفينيقيون في زراعة الكروم وإنتاج النبيذ. ثم نقلوا هذه الصناعة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى العديد من الحضارات القديمة.
وبفضل هذا الإرث التاريخي. حافظت منطقة زحلة على مكانتها كواحدة من أهم المناطق الزراعية في لبنان. حيث استمرت زراعة العنب جيلاً بعد جيل. وأصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي.
لماذا تعد زحلة مثالية لصناعة النبيذ؟
تتمتع زحلة بعدة مقومات طبيعية جعلتها من أفضل مناطق إنتاج العنب في الشرق الأوسط.

المناخ المناسب
تقع المدينة على ارتفاع يقارب ألف متر فوق سطح البحر. ما يوفر درجات حرارة معتدلة نهاراً وأجواء باردة ليلاً. وهي ظروف تساعد على نضوج العنب بشكل متوازن.
وفرة أشعة الشمس
تحظى المنطقة بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً. وهو عامل مهم في زيادة تركيز السكريات والنكهات داخل حبات العنب.
التربة الكلسية
وعلاوة على ذلك، تتميز أراضي البقاع بتربة غنية بالمعادن والحجر الكلسي. مما ينعكس على جودة المحصول ويمنح النبيذ خصائص مميزة.
انطلاق صناعة النبيذ الحديثة
شهدت صناعة النبيذ اللبنانية تحولاً كبيراً خلال القرن التاسع عشر. عندما أسس الآباء اليسوعيون أول مشروع حديث لإنتاج النبيذ في منطقة كسارة المجاورة لزحلة عام 1857.
وقام الرهبان باستقدام أصناف من العنب الأوروبي. كما أدخلوا تقنيات حديثة في الزراعة والتخمير. وهو ما ساهم في رفع جودة الإنتاج ووضع اللبنات الأولى لصناعة النبيذ اللبنانية الحديثة.
دهاليز أثرية لحفظ النبيذ
في نهاية القرن التاسع عشر. اكتُشفت شبكة من الأنفاق والأقبية الطبيعية الممتدة تحت الأرض بالقرب من زحلة. ويُعتقد أن أجزاء منها تعود إلى العصر الروماني.
ومنذ ذلك الحين، استخدمت هذه الأقبية في تخزين وتعتيق النبيذ. إذ تتميز بدرجات حرارة ورطوبة ثابتة طوال العام. ما يوفر بيئة مثالية للحفاظ على جودة النبيذ وتحسين نكهته مع مرور الوقت.
العرق الزحلاوي.. أحد أشهر المنتجات اللبنانية
إلى جانب النبيذ. تشتهر زحلة بإنتاج العرق اللبناني التقليدي. الذي يُعد من أبرز المشروبات المرتبطة بالمطبخ اللبناني. ويصنع العرق الزحلاوي من عصير العنب المخمر. ثم يُقطر ثلاث مرات داخل أوعية نحاسية تقليدية. وخلال عملية التقطير الأخيرة. يضاف اليانسون البلدي لإكسابه نكهته المميزة ورائحته العطرية.
سر جودة العرق الزحلاوي
تكمن خصوصية العرق الزحلاوي في عدة عوامل. أبرزها:
-استخدام عنب عالي الجودة.
-التقطير التقليدي ثلاث مرات.
-الاعتماد على اليانسون البلدي.
-تعتيقه داخل جرار فخارية لعدة أشهر.
-نقاؤه وصفاؤه المعروف بين المنتجين.
ولهذا اكتسب العرق الزحلاوي شهرة واسعة داخل لبنان وخارجه. وأصبح من المنتجات التي تعكس التراث الغذائي للمدينة.
أشهر مصانع النبيذ والعرق في زحلة
تضم زحلة ومحيطها عدداً من أقدم وأشهر مصانع النبيذ في لبنان. والتي تصدر منتجاتها إلى عشرات الدول حول العالم.

Château Ksara
يعد شاتو كسارة أقدم مصنع نبيذ لا يزال يعمل في لبنان. ويشتهر بأقبية التعتيق التاريخية التي تستقطب آلاف الزوار سنوياً. إضافة إلى إنتاج مجموعة متنوعة من النبيذ اللبناني.
Domaine des Tourelles
تأسس عام 1868. ويعرف بالحفاظ على طرق الإنتاج التقليدية سواء في صناعة النبيذ أو العرق. مع الجمع بين الخبرة التاريخية والتقنيات الحديثة.
Domaine Wardy
يعتبر من المشاريع العائلية العريقة في زحلة. حيث بدأت العائلة إنتاج النبيذ والعرق منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتواصل اليوم تطوير منتجاتها مع الحفاظ على الطابع المحلي.
Château Khoury
يمثل نموذجاً حديثاً لصناعة النبيذ في لبنان. ويعتمد على زراعة العنب في المرتفعات المحيطة بزحلة لإنتاج أنواع تعكس خصائص البيئة الجبلية في البقاع.
زحلة وسياحة النبيذ
وفي المقابل، لم تعد صناعة النبيذ مجرد نشاط اقتصادي. بل أصبحت جزءاً من القطاع السياحي في المدينة. ويزور آلاف السياح زحلة سنوياً للمشاركة في جولات داخل مصانع النبيذ. والتعرف على مراحل الإنتاج وزيارة الأقبية التاريخية إلى جانب الاستمتاع بالمطاعم التقليدية المطلة على نهر البردوني. والتي تقدم المأكولات اللبنانية الشهيرة. وكما ساهمت هذه الجولات في دعم الاقتصاد المحلي وتعريف الزوار بتاريخ المدينة وتراثها الزراعي.
الاعتراف العالمي بزحلة
حظيت زحلة باعتراف دولي عندما أصبحت أول مدينة عربية تنضم إلى شبكة المدن العالمية للنبيذ (World Wine Cities). وهو إنجاز يعكس أهمية المدينة في صناعة النبيذ العالمية.
ويؤكد هذا التصنيف المكانة التي وصلت إليها زحلة بفضل تاريخها الطويل وجودة منتجاتها. إلى جانب دورها في تعزيز السياحة الزراعية والثقافية في لبنان.
لماذا ما زالت زحلة تحافظ على مكانتها؟
رغم تطور صناعة النبيذ في العديد من الدول. لا تزال زحلة تحتفظ بمكانتها لعدة أسباب. أبرزها:
-تاريخ يمتد لآلاف السنين.
-بيئة طبيعية مثالية لزراعة الكروم.
-مصانع عريقة تجمع بين التراث والتقنيات الحديثة.
-جودة العنب المنتج في سهل البقاع.
-شهرة عالمية في إنتاج النبيذ والعرق.
-اهتمام متزايد بسياحة النبيذ.
وفي النهاية، تمثل قصة زحلة والعرق والنبيذ نموذجاً لمدينة استطاعت تحويل مواردها الطبيعية وتراثها الزراعي إلى هوية ثقافية واقتصادية مميزة. فمنذ العصر الفينيقي وحتى اليوم. بقيت زحلة مركزاً لصناعة النبيذ والعرق في لبنان. واستمرت مصانعها العريقة في نقل هذا الإرث من جيل إلى آخر.
ومع الاعتراف العالمي بمكانتها. أصبحت المدينة وجهة بارزة لعشاق التاريخ والطبيعة وسياحة النبيذ. لتبقى واحدة من أهم المدن التي ارتبط اسمها بهذه الصناعة في العالم العربي.
شاهد أيضاً
أماكن رومانسية في زحلة: أفكار لمشوار مميز


