لبنان

بعد ست سنوات من انفجار المرفأ... العدّ العكسي للقرار الاتهامي بدأ


بعد ست سنوات من انفجار المرفأ... العدّ العكسي للقرار الاتهامي بدأ

ست سنوات مرّت على جريمة الرابع من آب، لكنها لم تبتعد يوماً عن ذاكرة أمهات وآباء وأطفال فقدوا أحباءهم في واحدة من أسوأ الكوارث التي شهدها لبنان. السادسة وسبع دقائق من عصر ذاك الثلاثاء الأسود، 4 آب 2020، لم تعد مجرد لحظة في الزمن، بل موعداً ثابتاً مع الوجع والانتظار، فيما لا تزال عائلات الضحايا تنتظر الحقيقة والعدالة.

اليوم، الثلاثاء 15 أيلول 2026، وبعد مسار قضائي طويل تخللته عرقلة ومحاولات لـ”قبع” المحقق العدلي، وتجاذبات قضائية وسياسية، يدخل ملف انفجار مرفأ بيروت مرحلة جديدة تبدو الأقرب إلى الحسم والمحاسبة. فقد سلّم المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مطالعته بالأساس، في وثيقة تتألف من نحو 270 صفحة، تتضمن موقف النيابة العامة التمييزية من مسار التحقيق والمسؤوليات في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في تاريخ لبنان الحديث.


أهمية هذه الخطوة لا تكمن في عدد صفحات المطالعة، بل في أنها تزيل واحدة من آخر العقبات الإجرائية التي كانت تفصل التحقيق عن المرحلة النهائية. فالبيطار بات يمتلك الآن، إلى جانب التحقيقات والمستندات والاستنابات التي أنجزها، الموقف الرسمي للنيابة العامة التمييزية، ما يسمح له بالانتقال إلى المرحلة الأكثر حساسية، أي تحديد المسؤوليات وصياغة القرار الاتهامي.

حتى الآن، لم يُنشر النص الكامل للمطالعة، لكن المؤكد أن صعب أبدى رأيه في مسؤولية كل شخص من المدعى عليهم، كما تناول الوضع القانوني لكل منهم، ومن بينهم العميد طوني منصور، الذي استمع إليه البيطار قبل ختم التحقيقات في نيسان الماضي، وكان يشغل سابقاً منصب مدير المخابرات قبل تعيينه مستشاراً أمنياً وعسكرياً لرئيس الجمهورية.

فهل اتجهت النيابة العامة إلى تثبيت المسؤوليات التي انتهى إليها البيطار، أم أنها وضعت تحفظات، أو طلبت إجراءات إضافية، أو استبعدت بعض الأسماء؟

المؤكد أن القرار النهائي لن يكون مجرد إجراء شكلي، تقول مصادر قانونية لـ”المركزية”، موضحة أن البيطار سيدرس مطالب النيابة العامة، ثم ينتقل إلى استكمال الإجراءات التي يراها ضرورية قبل إصدار القرار الاتهامي. وبحسب المعلومات القضائية المتداولة، هناك أكثر من سبعين مدعى عليهم، تتفاوت المسؤوليات المنسوبة إليهم بين القصد الاحتمالي، والإهمال والتقصير، والإخلال بواجبات الوظيفة، مع احتمال منع المحاكمة عن بعض من لا تتوافر بحقهم أدلة كافية.

ومن المرجح أن يعاود البيطار استدعاء عدد من المدعى عليهم الذين سبق استجوابهم وتركهم رهن التحقيق، من دون اتخاذ قرار نهائي بحقهم، على أن يحدد موقفه من كل منهم وفقاً للأدلة والمعطيات الموجودة في الملف. وتتراوح الإجراءات القانونية بين التوقيف الوجاهي، وترك الشخص حراً أو بسند إقامة، وصولاً إلى إجراءات أخرى، منها تسطير بلاغات بحث وتحرٍّ في حال عدم المثول أمام القضاء. وفي حال كشفت مطالعة النيابة العامة عن ادعاءات إضافية أو أشخاص جدد، سيكون على البيطار استكمال الإجراءات اللازمة بحقهم قبل الانتقال إلى القرار الاتهامي.

نقطة قانونية أساسية تتوقف عندها المصادر، وهي أن مطالعة النيابة العامة ليست حكماً قضائياً ملزماً للبيطار. وبالتالي، يبقى للمحقق العدلي أن يقيّم الأدلة بنفسه، وأن يأخذ بالمطالعة كلياً أو جزئياً، أو يخالفها ضمن ما يسمح به القانون. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية لم تبدأ بانتهاء مطالعة القاضي صعب، بل انتقلت الآن إلى مكتب البيطار. والقرار الذي سيصدره سيحدد، بصورة نهائية في هذه المرحلة، من سيُحال إلى المجلس العدلي، وعلى أي أساس، وما هي التهم والمسؤوليات التي ستُسند إلى كل مدعى عليه.


النقطة الأكثر إثارة للجدل: تحديد المسؤوليات


فهل تكون المسؤوليات متساوية بين السبعين اسماً؟

تشير المصادر إلى أن التحقيق لا يتعامل مع المدعى عليهم باعتبارهم مجموعة واحدة، وأن المسؤولية القانونية يمكن أن تختلف جذرياً بين من اتُّهم بالتقصير في أداء واجبه، ومن يُشتبه في أنه كان على علم بخطر المواد الموجودة في المرفأ ولم يتخذ الإجراءات اللازمة، ومن يمكن أن تُنسب إليه مسؤولية أشد وفق مفهوم القصد الاحتمالي.

وهذا يعني أن القرار الاتهامي، إذا صدر وفق هذه المعايير، لن يكون بالضرورة قراراً جماعياً بحق جميع المدعى عليهم، بل يفترض أن يحدد دور كل شخص وعلاقته بالنتيجة التي وقعت في الرابع من آب.


ماذا بعد صدور القرار الاتهامي؟

“أياً كان مضمونه، لن يكون نهاية القضية. فإذا تضمن القرار مذكرات توقيف أو إجراءات بحق شخصيات سياسية وأمنية وقضائية، فإن اختبار الدولة الحقيقي سيكون في تنفيذ هذه القرارات. وقد تصبح قدرة الأجهزة على تنفيذ ما يصدر عن القضاء هي الامتحان الفعلي لاستقلالية القضاء وتطبيق شعار «لا أحد فوق القانون».”

وترجح المصادر أن يصل الملف إلى المجلس العدلي سنة 2027، وعندها تبدأ المحاكمة العلنية أمام المجلس العدلي، التي يفترض أن تجيب عن السؤال الذي بقي عالقاً منذ 4 آب 2020: من المسؤول عن الجريمة، ومن سمح ببقاء الخطر حتى وقع الانفجار الذي أودى بحياة 223 شخصاً وجرح ما لا يقل عن 7000؟

الاهتمام الآن ينصب على الأسماء، والأهم على منطق القرار الاتهامي نفسه، إذ لن يكون مجرد وثيقة قضائية، بل خارطة لمسار المسؤولية عن واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان. وهنا تبدأ المواجهة الأصعب.

وتختم المصادر: “العدّ العكسي للقرار الاتهامي بدأ، لكن ساعة الحساب الفعلية تبدأ يوم يصبح القرار قابلاً للتنفيذ، لا مجرد حبر على ورق”.

المركزية

يقرأون الآن