خاص

افتتحت السنة الجديدة موسماً جديداً من الصراع بين الجيش السوري و"قسد"، ولا سيما في حلب، وسط تساؤلات متصاعدة حول مصير الحل السياسي بين الطرفين، وما إذا كانت المعارك ستترك لاحقاً مجالاً لتسوية سياسية تفضي إلى اندماج "قسد" في الجيش السوري، في ظل العملية السياسية الجديدة.

يشير الصحافي والباحث السياسي جاد يتيم، في حديثه لـ"وردنا"، إلى أنّ المعارك التي شهدتها حلب تشكّل، بلا شك، مؤشراً واضحاً على انسداد الأفق السياسي. غير أنّ هذه المعارك، برأيه، لا تُعدّ دليلاً على انفراط اتفاق "آذار" بين الجيش السوري و"قسد"، بل على العكس، يمكن قراءتها كأحد أشكال الضغط التفاوضي عبر التصعيد العسكري، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب إضافية تُحسّن موقعه في مسار الوصول إلى هذا الاتفاق.

ويذكّر يتيم بأن هذا التصعيد جاء عقب فترة من التوتر المتزايد، إذ لم يبدأ بشكل مباشر، بل سبقه عدد من المناوشات المحدودة، قبل أن يتوقّف لفترة قصيرة ويعود من جديد. وقد تزامن ذلك مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومدير الاستخبارات إبراهيم كالن، ووزير الدفاع التركي إلى دمشق، في ظل أخبار متواصلة عن حشود وتحركات عسكرية منذ ذلك الحين.

ويشير ذلك إلى أنّ المناوشات التي شهدتها أحياء حلب، سواء بادرت إليها قوات وزارة الدفاع أو "قسد"، وقعت في مدينة كانت عملياً معطّلة، وأن فتح جبهة قتال داخلها قد يكون هدفه الأول إعادة جعلها مدينة قابلة للحياة لجميع الأطراف. وإضافة إلى ذلك، يرى يتيم أنّ هذه المعركة لا تبدو بحاجة إلى ضوء أخضر أميركي.

ويضيف يتيم أنّ فتح جبهة في شمال شرق سوريا يُعدّ أكثر تعقيداً، نظراً للوجود العشائري العربي هناك وما يفرضه من حسابات دقيقة، فضلاً عن اتساع الرقعة الجغرافية للمنطقة، ولأنّ المكوّن الكردي، على عكس الحال في العراق، لا يشكّل فيها غالبية سكانية.

ويرى أنّ ما جرى في حلب يمكن وصفه، إن شئنا، بـ"مفاوضات بالنار"، قادها الأتراك، ويُستدلّ على ذلك بوجود لقاء سابق جمع مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع قبل رأس السنة وقبل اندلاع هذه المعارك. ويتساءل: هل أسفر ذلك عن نتائج جذرية مختلفة؟ الجواب لا، غير أنّه لم يكن متوقعاً أن تتطور الأمور على هذا النحو.

ماذا يعني ذلك على صعيد المستقبل السياسي؟

يجيب يتيم بأنّ ما جرى، على الرغم من أنّ "قسد" سحبت، بعد اتفاق "آذار"، قواتها وأسلحتها الثقيلة من أحياء حلب، مقابل الإبقاء على قوات "الأسايش"، وهي من المفترض أن تكون جهاز الأمن الداخلي، وغالبية عناصرها من الأكراد، وكان يُفترض أن تصبح تابعة لوزارة الداخلية.

ويكمل أنّه عند اكتمال الاتفاق بين دمشق و"قسد"، كان من المقرر أن ترتدي هذه القوات زيّ الأمن العام، وأن تتحوّل إلى الجهة المسؤولة عن الأمن الداخلي، بما يعني أن يكون الأمن في المناطق ذات الغالبية الكردية بأيدٍ كردية، على غرار ما هو معمول به في مناطق أخرى، كأن تكون الغالبية درزية في السويداء.

غير أنّ المرحلة الانتقالية بين نقل تبعية هذه القوات إلى وزارة الداخلية وعدم تنفيذ الاتفاق بالكامل خلقت فراغاً أمنياً، إذ لم تكن "الأسايش" خاضعة لإمرة وزارة الداخلية ولا ملزمة بتنفيذ أوامرها، ما سمح باستمرار المناوشات. صحيح أنّ الأسلحة الثقيلة انسحبت، أو لم تُرسل أساساً، إلا أنّ الاشتباكات التي وقعت في تلك المناطق كانت بلا معنى عسكري حقيقي، وانتهت بنتائج يمكن توصيفها على أنها نكسة سياسية لـ"قسد".

وعن سؤال ما إذا كانت الحكومة السورية قد بذلت جهداً سياسياً كافياً لمنع هذا الانفجار، يجيب يتيم بأنّ جهداً ما بُذل، لكنه لم يكن كافياً، كما أنّ "قسد" لم تلتزم التزاماً مطلقاً بالاتفاق. ففي ظل وضع غير محسوم في الساحل، واستمرار التعقيدات في السويداء، قد يرى الطرف الكردي أنّه لا مصلحة له في تسليم كامل أوراقه، ولا سيما أنّه الطرف المتمرّد الأقوى عسكرياً.

في المقابل، رأت الحكومة السورية، من منظورها، أنّ ما قامت به كان ضرورياً، استناداً إلى معلومات تفيد بأن الأكراد يدرّبون ويسلّحون مجموعات متمرّدة من الدروز والعلويين، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.

ويشدّد يتيم على أنّ العقدة الأساسية في هذا الملف تكمن في غياب نقاش جدي حول المشاركة السياسية، إذ لا يمكن التفاوض مع الناس على تسليم السلاح أو الاندماج من دون فتح باب واضح لمناقشة شكل هذه المشاركة. فجوهر المسألة، في نهاية المطاف، يتمثّل في السؤال: كيف نشارك في النظام السياسي؟

ويضيف أنّ العقلية السائدة لدى الحكم السوري الجديد تقوم على مبدأ المشاركة، ولكن ضمن حدود لا تُضعف السلطة المركزية ولا تحوّل الدولة إلى نموذج شبيه بالعراق أو لبنان، حيث تعاني السلطة من الشلل نتيجة المحاصصة السياسية. ومن هنا، لا بدّ من الوصول إلى حلّ وسط بين الأمرين.

ويختم يتيم حديثه لـ"وردنا" بالإشارة إلى أنّ هذه المعارك، إذا توقفت عند هذا الحد، قد تفتح الباب أمام مفاوضات أكثر جدية. أمّا خيار شنّ هجوم شامل لإنهاء ملف شمال شرق سوريا، في ظل غياب ضغط أميركي داعم حالياً، فلا يبدو واقعياً، ما يعني أنّ الطرفين مجبران في نهاية المطاف على العودة إلى طاولة التفاوض.

يقرأون الآن