خاص - اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.. تهديد بالإلغاء أم ورقة ضغط سياسية؟

في توقيت إقليمي شديد الحساسية، أعاد تصريح وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين حول إمكانية إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان فتحَ ملفٍّ يُعدّ من أكثر الملفات الاستراتيجية تعقيدًا في المنطقة. هذا الاتفاق الذي شكّل منذ إقراره مدخلًا لخفض التوتر ونافذة أمل أمام لبنان للدخول إلى نادي الدول المنتجة للغاز بات اليوم مهدّدًا. فماذا تعني عودة الخلاف البحري من جديد؟ وهل يمكن لإسرائيل فعلاً إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 بعد دخولها حيّز التنفيذ؟

تشرح مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط لوري هيتايان "لوردنا" أنّ هذه ليست المرة الأولى التي يتلقّى فيها لبنان تهديدات بإلغاء الاتفاقية، فمنذ فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، تتواصل هذه التهديدات، إذ يستخدم الجانب الإسرائيلي هذا النوع من الأساليب في إطار الضغط الاقتصادي ضمن صراعه مع لبنان، على غرار التهديد بتدمير البنى التحتية. وتشير لوري إلى أنّ الاتفاق تمّ بوساطة أميركية، ومن ضمن بنوده أنّه لا يمكن لأي طرف إلغاؤه بشكل أحادي من دون العودة إلى الطرف الآخر والتشاور معه. ولكن من اللافت أنّ البنود شيء والواقع شيء آخر، موضحةً أنّ الاتفاق لا يُعدّ نصًا قانونيًا ملزمًا بقدر ما هو تفاهم قائم على وساطة ورسائل بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية ولبنان، ما يعني أنه لا توجد آلية حاسمة تُلزم إسرائيل بالالتزام به.

استمرار الاتفاق ضرورة لاستقرار لبنان

وفي هذا السياق، ترى هيتايان أنّ إنهاء النزاع عبر هذا الاتفاق كان ضروريًا لجذب الشركات الأجنبية والاستثمارات إلى لبنان، إذ يخفّف من المخاطر في مناطق العمل الاقتصادي، لكنها تشير في المقابل إلى أنّ الاتفاق لم ينجح في تحقيق الاستقرار المطلوب، خصوصًا في ظل استمرار التوترات، لا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر، ووجود حزب الله في لبنان، حيث تختلف أجندته عن أجندة الدولة، ما يُبقي الصراع قائمًا.

ماذا يحدث في حال إلغاء الاتفاق؟

في حال انسحبت إسرائيل من الاتفاق، سيتأثر ما يُعرف بالبلوك 8، حيث تنشط شركات أجنبية، إذ قد يتحوّل إلى منطقة متنازع عليها، ما ينعكس مباشرةً على عقود الشركات والاستثمارات، وفي ظل التوترات القائمة، تعتبر إسرائيل أنّ لبنان لم ينجح في الحد من قدرات حزب الله، ما يجعل التهديدات تمتد لتطال الدولة اللبنانية ككُل.

وتضيف هيتايان أنّ أولوية الولايات المتحدة الأميركية اليوم تتركّز على الصراع مع إيران، ما قد يحدّ من اهتمامها بملف ترسيم الحدود البحرية في حال تصاعدت الأزمة. أما على الصعيد اللبناني، فتتصدر الملفات الداخلية المشهد، لا سيما مسألة سلاح حزب الله وأزمة النزوح الناتجة عن الحرب الدائرة، وفي حال الدخول في مفاوضات جديدة، قد يتوسّع النقاش ليشمل أيضًا ترسيم الحدود البرية إلى جانب البحرية.

في المحصّلة، يكشف الجدل حول إمكانية إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية هشاشة هذا التفاهم، الذي يقوم أكثر على توازنات سياسية منه على إطار قانوني ملزم. وبين استخدامه كورقة ضغط في الصراع، وتعقيدات الداخل اللبناني وتبدّل أولويات القوى الدولية، يبقى مصير الاتفاق مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التصعيد وإعادة التفاوض، من دون ضمانات واضحة للاستقرار.

يقرأون الآن