"نوري المالكي مرشّحًا لرئاسة الحكومة العراقية"، حقيقةٌ لم يعد بالإمكان تجاهلها، إذ حسم الإطار التنسيقي أمره في هذا الاتجاه، مع موافقة رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني على السير بترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، على الرغم من سنوات عهده السوداء التي انعكست سلبًا على العراق والشعب العراقي.
وفي ظلّ التطورات الحاصلة على الصعيدين العراقي والإقليمي، يبرز السؤال: ما تداعيات هذا الترشيح؟ وكيف سيؤثّر على العراق ومساره السياسي؟
يكشف المحلل السياسي العراقي غانم العابد في حديثه لـ"وردنا" أن إعادة تسمية نوري المالكي رئيسًا لمجلس الوزراء المقبل شكلت صدمة كبيرة، خصوصًا لدى الشارع السني في العراق، نظرًا لما يحمله العراقيون من ذكريات مرتبطة بالكوارث والجرائم خلال فترتي حكومته.
كانت الحكومة الأولى بين عامي 2006 و2010، والثانية بين 2010 و2014. ففي تلك الفترة، سيطر تنظيم داعش على ثلاث محافظات سنية، وهرب أكثر من 1200 من قيادات تنظيم القاعدة من سجني التاجي وأبو غريب، وهم الذين قادوا الهجوم على الموصل عام 2014. إضافة إلى ذلك، شهدت تلك الفترة تفشي الفساد والطائفية، وحالات التهجير، وتدمير المدن بشكل كامل.
ويؤكد العابد أن هذه الأحداث تشكّل ذكريات مريرة للشارع العراقي مع حكومات المالكي، في وقت يتزامن فيه هذا التعيين مع نقل نحو 7000 عنصر من تنظيم داعش من سوريا إلى العراق.
ويقول العابد: "لا أبالغ إذا قلت إن كثيرًا من أهالي هذه المحافظات السنية بدأوا فعليًا بالتفكير في مغادرة العراق أو التوجه إلى مناطق أكثر أمانًا مثل إقليم كردستان، أو إلى إحدى دول الجوار".
ويشدد على أنه "لا علاقة لنوري المالكي بالمتغيرات الحاصلة في العالم. إذا أردنا الحديث عن المتغير في العراق، يمكن تكليف شخصية مستقلة، بعيدة عن الإطار التنسيقي، لقيادة الحكومة المقبلة. وأعتقد أن أكبر خطيئة تُرتكب بحق العراقيين هي إعادة تكليف نوري المالكي مجددًا، خاصةً أنه رجل متقدم في السن؛ إذ يبلغ اليوم 76 عامًا، وقد أُصيب بأكثر من ثلاث جلطات، ما يجعله غير قادر صحيًا على إدارة شؤون العراق، إضافة إلى إرثه الكبير والجدلي وما يحمله من نفس طائفي لا يزال حاضرًا في ذاكرة العراقيين".
ويشير العابد إلى أنه "كان هناك اتصال بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، مفاده أن الولايات المتحدة تبحث عن حكومة عراقية غير مرتبطة بإيران، ما يعني وجود فيتو أميركي ضمني ضد تكليف نوري المالكي".
وبالتأكيد، فإن مصير العراق الاقتصادي اليوم مرتبط إلى حدّ كبير بالولايات المتحدة، إذ تُودَع نحو 95% من أموال العراق في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كما ترسل الولايات المتحدة إلى العراق شهريًا ما يقارب 10 مليارات دولار تُستخدم لدفع الرواتب والمستحقات وتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويرى العابد أن أي رفض أميركي للحكومة العراقية قد يدفع الولايات المتحدة إلى معاقبة العراق اقتصاديًا، ولا يستبعد أن يتم تصنيفه ضمن الدول الداعمة للإرهاب، ما سينعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطن العراقي، ويؤثر عليه تأثيرًا مباشرًا، وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات أو احتجاجات شعبية نتيجة هذه الضغوط الاقتصادية.
بالنسبة للسؤال الرابع، يجيب العابد أن "حقيقة نزع السلاح منقسمة إلى قسمين: سلاح الفصائل. هناك فصائل، حتى قبل تسمية المالكي لرئاسة الحكومة، فتحت قنوات مع الولايات المتحدة لتقديم ضمانات بأنها مستعدة لتسليم سلاحها مقابل عدم محاكمتها".
ويشير العابد إلى أن "هناك فصائل متهمة بارتكاب إبادة جماعية، خاصة خلال معارك طرد داعش من المحافظات التي سيطرت عليها".
ويتابع: "تبقى هناك فصائل مرتبطة قياديًا بإيران، مثل كتائب حزب الله وكتائب النجباء، التي تقلد مرجعية خامنئي ولا تقلد مرجعية السيد السيستاني. هؤلاء، حتى الآن، يرفضون تسليم سلاحهم. وصدرت يوم أمس بيان من كتائب حزب الله تدعو فيه الجميع إلى دعم إيران والدفاع عنها في حال نشوب أي حرب بينها وبين الولايات المتحدة، ما يعني أن هذه الفصائل أرسلت مسبقًا رسالة بأنها لن تسلم سلاحها. وبالطبع، هذا يتناغم مع الموقف الإيراني الذي يبحث عن حلفاء لمواجهته المقبلة سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل".
ويختم العابد حديثه لـ"وردنا" معتبرًا أن "الولايات المتحدة كانت واضحة جدًا في أنها تبحث عن حكومة عراقية، سواء على مستوى رئاسة الحكومة أو الوزراء، لا ينتمي أعضاؤها إلى الفصائل المسلحة ولا يحظون بدعمها. وعندما قامت ميليشيا عصائب أهل الحق بترشيح النائب الأول لرئيس مجلس النواب، عدنان فيحان، رفضت الولايات المتحدة هذا الترشيح.
وأضاف: إذا أصرت هذه الأطراف على تسمية شخصيات في الحكومة القادمة تنتمي إلى الفصائل أو مدعومة منها، فإن الولايات المتحدة لن تمنح الشرعية لهذه الحكومة، وما لم تمنح الشرعية، فإن المجتمع الدولي لن يعترف بشرعية الحكومة المقبلة".


