حين تلد الحرب حبًا… وفي عيد الحب هذا ما أقوله

إلى الحب،

شكرًا لأنك الشعور الأروع والأجمل في هذه الدنيا، لأنك النبض الخفي الذي يجعل للحياة معنى، وللأيام طعمًا يُحتمل. شكرًا لأنك لا ترتدي أقنعة، ولا تطلب ثمنًا، ولا تُشبه الصفقات ولا تُجيد الحسابات. أنت الشعور الأنقى، والأوضح، والأصدق، لا تنتمي إلى المصالح ولا تقيم وزنًا للمكاسب. أنت فعلٌ حرّ، وقرار شجاع، ومغامرة لا يخوضها إلا من امتلك قلبًا قويًا. قويًا بما يكفي ليحب، ويعشق، ويشتاق، ويتلهّف، ويتحمّل ثقل الانتظار ووجع الغياب. فالحب، وإن بدا بسيطًا في ظاهره، يحتاج الكثير من الجرأة، والكثير من الصدق، والقليل فقط من التفكير.

"أنقذني الحب، شفاني واحتضنني"… من أجمل العبارات التي مرّت على قلبي يومًا. ليست مجرد كلمات، بل اعتراف عميق بأن الحب قد يكون طوق نجاة في لحظة غرق، ويدًا دافئة في عزّ الصقيع. الحب يشفينا كل يوم، مع شروق الشمس، حين ينهض المتعبون من أحلامهم الثقيلة، ويجرّون خيبات الأمس نحو صباح جديد. هناك، في تلك اللحظة الأولى من الضوء، يهمس الحب: أنا هنا، مشاعركم ما زالت حيّة، لم تمت تحت ركام الخوف ولا تحت تعب الأيام.

في الحقيقة، لم ينقذنا في هذه الحياة السوداوية سوى الحب. هو الذي انتشلنا من المخاوف، وداوى انكساراتنا، وبدّد وحشتنا حين ضاقت بنا المسافات. هو الذي أعاد ترتيب أرواحنا بعد كل سقوط، وجعلنا نؤمن أن في الداخل نورًا لا ينطفئ. وكما وصفت أم كلثوم: "ابتديت دلوقت بس أحب عمري وأخاف لا العمر يجري". نعم، منذ اللحظة التي وقعنا فيها في الحب، بدأنا نحب أعمارنا أكثر، نخاف عليها، ونخشى أن تمضي سريعًا فنفقد ذلك الشعور الذي جعلنا نرى العالم بعين أخرى. أصبح للعمر قيمة، وللوقت قداسة، لأن الحب مرّ من هنا.

ومن رحم الحرب، قد يولد الحب

قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن الحياة كثيرًا ما تلد الجمال من قلب الألم. يُحكى أن سلمى ونادر تعارفا قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024 بفترة قصيرة. وهذان اسمان مستعاران لقصة حقيقية ما زالت تنبض بيننا... لم يمنحهما القدر وقتًا كافيًا ليختبرا مشاعرهما بهدوء، فباغتتهما الحرب وكلٌّ منهما في بلد مختلف. فجأة، صارت المسافات أطول، والقلوب أكثر قلقًا، والسماء ملبّدة بأصوات الغارات والخروقات الجوية.

لم يستطيعا أن يعيشا الحب كما في الحكايات، لم يكن هناك لقاءات طويلة ولا شرفات تطل على المساء، بل كانت هناك مكالمات مرتجفة، ورسائل تُكتب على عجل بين خبر وآخر.

ومع ذلك، فعل الحب ما لم تفعله كل المشاعر مجتمعة. أنقذهما من هلع الحرب، من الشعور بالعجز، من الوحدة التي تتسلل إلى الروح في أوقات الخطر. شعرا به يكبر بينهما رغم الدمار، يتجذر تحت أصوات الانفجارات، ويتمدد في المسافات كأنه يرفض الهزيمة. لذلك أقولها بثقة: الحب أنقذني، شفاني واحتضنني.

تقول سلمى إن الحب هوّن عليها ثقل تلك الأيام. هي فتاة في مقتبل العمر، لم تتوقع أن تعيش تجربة كهذه، ولا أن تنضج مشاعرها تحت سماء مهددة. كانت تشعر أنها تعيش في عالم موازٍ، عالم لا يشبه الضجيج المحيط بها. لطالما اعتبرت أن حب الأصدقاء والأهل كافٍ ليملأ القلب، وكانت ترفض فكرة الحب الرومانسي، ترى فيه تعقيدًا غير ضروري. لكنها حين عرفت "الحب الحقيقي"، تغيّر كل شيء. أدركت أن في القلب مساحة لم تكن مكتشفة بعد. 

أما نادر، الشاب في أواخر العشرينات، فكان يعيش غربة مزدوجة، غربة عن وطنه وغربة عن مشاعره. يعمل بجد، يغرق نفسه في المسؤوليات، ويتجاهل كل ما له علاقة بالحب، ظنًا منه أنه رفاهية لا تليق بزمن الأزمات. حتى جاءت سلمى. جاءت كإجابة هادئة على كل أسئلته الصامتة. أكدت له أن مشاعره ليست ضعفًا، بل قوة، وأن الحب لا يشتت الإنسان بل يعيده إلى ذاته. أخبرته أن الحب قادر على أن يرتق ثقوب خيباته، وأن جراحه يمكن أن تنبت عبرها أزهار الياسمين، وأن شمس الحب وحدها قادرة على حمايته من صقيع الوجود القاسي.

الحب لا يمكن أن يُختصر في يوم واحد، ولا أن يُحبس في مناسبة عابرة. لكنه، رغم ذلك، يستحق أن نخصص له يومًا نعيد فيه ترتيب مشاعرنا، وننفض الغبار عن قلوبنا. في الرابع عشر من شباط، يبدو العالم مختلفًا. تمتلئ الشوارع بالأزهار، وتتلون الواجهات بالأحمر، ويهرع الناس لشراء الحلوى والورود والبالونات والهدايا قبل أن يحلّ المساء.

في هذا اليوم، تفوح رائحة الحب من التفاصيل الصغيرة، ويبدو العالم أكثر لطفًا، كأنه قرر أن يلين قليلًا.

وكما قالت أم كلثوم: "العيب فيكم يا في حبايبكم، أما الحب يا روحي عليه… ده ما فيش أبدًا أحلى من الحب". كم لهذه الكلمات من وقع عميق في القلب، خاصة عند أولئك الذين يحتفلون بالحب وشريكهم بعيد عنهم. هؤلاء يعرفون قيمة الحب أكثر من غيرهم، لأنهم يعيشونه امتحانًا يوميًا. يعرفون معنى الانتظار، ومعنى أن تتمسك بقلبٍ لا تراه كل يوم، ومعنى أن تقاوم الظروف كي لا يخبو الشعور. أمام الحب الحقيقي، لا يسألون عن سبب البعد، ولا يلومون القدر، بل يؤمنون أن الحب الصادق يستمر رغم المسافات، ورغم كل من يردد أن البعيد عن العين بعيد عن القلب.

أما الذين لم يحالفهم الحب بعد، فلا تيأسوا. حبّكم لأنفسكم هو البداية الصحيحة، وهو الأرض التي سيُزرع عليها كل حب قادم. اعتنوا بقلوبكم، آمنوا أنكم تستحقون شعورًا نقيًا، ولعلّ العام المقبل يحمل لكم حبًا ينقذكم، يشفيكم، ويحتضنكم كما لم يحدث من قبل.

وفي الختام، أقول للحب: شكرًا لأنك المتنفس في هذه الحياة الخانقة، والنافذة التي يدخل منها الضوء حين تتكاثر العتمات. شكرًا لأنك جرعة النجاة من أنياب الأيام المتجددة، ولأنك تعيد إلينا إنسانيتنا كلما حاولت القسوة أن تسلبها منا. كل عام وأنت تسكن القلوب التي تستحقك، وتكبر في الأرواح التي تعرف قيمتك، وتبقى الأمل الذي لا يخون.

يقرأون الآن