بعد مضي شهر عن حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند بالعاصمة البوسنية سراييفو على يد أحد المتعصبين من صرب البوسنة، عاشت القارة الأوروبية يوم 28 يوليو (تموز) 1914 على وقع اندلاع الحرب العالمية الأولى على إثر إعلان النمسا – المجر الحرب على صربيا وتفعيل سياسة التحالفات القائمة بالقارة العجوز.
ومع بداية المعارك، آمن الجميع باستمرار العمليات القتالية لبضعة أشهر ونهاية النزاع بحلول ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه. إلى ذلك، لم تتحقق هذه التوقعات حيث فشلت جميع جهود التسوية لتستمر الحرب لأكثر من 4 سنوات وتتسبب في سقوط عشرات ملايين القتلى والجرحى.
وفي خضم هذه الحرب، استخدمت المدفعية بشكل مكثف على مختلف الجبهات. وقد مثلت معركة فردان (Verdun) عام 1916 واحدة من أكبر المعارك التي استخدمت بها المدافع طيلة الحرب.
عقب فترة الهجمات التي استمرت طيلة الأسابيع الأولى، دخلت الحرب العالمية الأولى مرحلة جديدة وتركزت بالخنادق حيث اتجهت الأطراف المتحاربة على الجبهة الغربية لحفر مسافات طويلة من الخنادق التي امتدت ما بين بحر الشمال وحدود سويسرا بهدف الحفاظ على مواقعها.
وفي الأثناء، لجأت الأطراف المتحاربة لخطط سيئة عمدوا من خلالها لإخراج قواتهم من الخنادق وإجبارها على الركض نحو خنادق العدو بهدف انتزاع مواقعه. وقد جاءت مثل هذه الخطط لتتسبب بسقوط أعداد هائلة من القتلى حيث تحول هؤلاء الجنود الذين غادروا الخنادق لأهداف سهلة للرشاشات التي أجهزت عليهم.
وضمن هذا السياق، اتجه الجنرال الألماني إريش فون فالكنهاين (Erich von Falkenhayn) للبحث عن خطة للإجهاز على الفرنسيين وإجبارهم على استنزاف ما تبقى من قواتهم. فحسب تكهناته، آمن فون فالكنهاين بتكبد الفرنسيين لخسائر بشرية هائلة طيلة أشهر الحرب كما تحدث في الآن ذاته عن قرب انهيار باريس واستسلامها.
ولتحقيق مبتغاه، اتجه فون فالكنهاين لشن هجوم مكثف على أحد المواقع الفرنسية، دون الحاجة لإحداث اختراق، بهدف دفع الفرنسيين لإرسال مزيد من قواتهم نحوها وتكبيدهم خسائر بشرية هائلة. وانطلاقا من ذلك، وقع اختيار هذا الجنرال الألماني على فردان التي مثلت منطقة بارزة داخل الخطوط الألمانية. أيضا، آمن فون فالكنهاين بحتمية إرسال الفرنسيين لعدد كبير من القوات لفردان واستعدادهم للتضحية بكثير من جنودهم للدفاع عن هذه المنطقة التاريخية.
يوم 21 فبراير (شباط) 1916، جمع الألمان حوالي ألف من مدافعهم. وعلى مدار ما يزيد عن 10 ساعات متواصلة، أطلقت المدافع الألمانية تجاه المواقع الفرنسية بفردان نحو مليون قذيفة ضمن ما وصف حينها بأحد أعنف عمليات القصف التي شهدها يوم واحد خلال الحرب العالمية الأولى.
ومع تراجع عمليات القصف المدفعي، تقدم الألمان نحو المواقع الفرنسية المحصنة بفردان وتمكنوا خلال أيام، على الرغم من التقدم البطيء، من افتكاك العديد من الكيلومترات إضافة لبعض من الأماكن الاستراتيجية بفردان. وأملا في منعها من السقوط، أمر الجنرال الفرنسي فيليب بيتان (Philippe Pétain) بإنشاء ما عرف بالطريق المقدس لنقل الإمدادات والعتاد والجنود نحو فردان. وبفضل ذلك، نجح الفرنسيون في إرساء حالة من الاستقرار بفردان.
على مدار نحو 10 أشهر، عاشت فردان على وقع حالة من القصف اليومي شارك به الألمان والفرنسيون حيث تبادل الطرفان عمليات القصف أملا في تكبيد الجانب الآخر أكبر عدد من الخسائر ومنعه من التقدم. وحسب التقديرات، سقطت بفردان والمناطق المحيطة بها خلال أشهر القتال ما بين 50 و60 مليون قذيفة مدفعية.
ومع نهاية المعارك، عجت المنطقة بالحفر التي تسبب بها القصف. وقد شبه المؤرخون لاحقا أراضي فردان عقب المعارك بسطح القمر ووصفوها بالأراضي القاحلة والموحشة خاصة مع خراب مناطق غابية كبيرة.
بحلول شهر ديسمبر (كانون الأول) 1916، عرفت معركة فردان نهايتها. وخلالها حقق الفرنسيون نصرا صعبا حيث نجحوا في الحفاظ على المنطقة وإبعاد الألمان منها. وحسب التقديرات عرفت معركة فردان مقتل وإصابة ما يزيد عن 700 ألف عسكري من كلا الطرفين.


