مقالات آخر تحديث في 
آخر تحديث في 

خاص - بعد التسريبات.. هل يمرّ ما طلبته واشنطن في لبنان؟


خاص - بعد التسريبات.. هل يمرّ ما طلبته واشنطن في لبنان؟

مع انفتاح لبنان الى التواصل المباشر مع إسرائيل، ضمن مسعى لإنهاء الحرب المستمرّة منذ 2 آذار الماضي، تخوّف البعض لا سيّما الأوساط العربية والإقليمية من مهبّة سقوط لبنان في الأفخاخ الأميركية والإسرائيلية التي من شأنها ان تضعه امام خيارات صعبة ومطالب قاسية.


وتجلّت هذه المخاوف بما نقلته صحيفة "الشرق" مؤخرا بأنّ الجانب الأميركي سيطلب من لبنان إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل؛ فلم يكن ذلك مجرد تسريب سياسي او خبر عادي، بل لحظة حاسمة.. لحظة تضع بلدًا كاملًا في صراع مع نفسه.


الفكرة بحد ذاتها صادمة: قانون وُضع عام 1955، في قلب الصراع، يعاد طرحه على الطاولة اللبنانية. ليس لأن الحرب انتهت، ولا لأن السلام تحقق أو الناس فقدت الذاكرة، بل لأن القوى الأميركية مهيمنة على الأرض. هنا، يصبح السؤال إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل يُطلب من اللبناني أن ينسى؟ أم أن يتأقلم؟


في الشارع، لا يُقاس هذا الملف بنص قضائي او بيان وزاري. يُقاس بالذاكرة. ببيوت دُمّرت، وبخسارات لم و لن تُمحَ، وبشعور متراكم بأن “العدو” ليس مفهومًا نظريًا او جملة اعتدنا على إعرابها، بل تجربة واقعية. لذلك، حين يُفتح هذا الملف، لا يُفتح في البرلمان فقط، بل في وجدان الناس أيضا.


وبعيدًا عن العاطفة، هناك حقيقة دستورية لا يمكن تجاوزها، وفقا لما قاله الخبير الدستوري والقانوني عادل يمّين في حديثه لـ "وردنا". وقال: "لا تملك أي دولة في العالم، مهما كان نفوذها، أن تفرض على لبنان إلغاء قانون. يمكنها أن تضغط، أن تلوّح، أن تساوم، لكن القرار، قانونيًا، يبقى لبنانيًا صرفًا".


طريقة التنفيذ واضحة، وربما قاسية رغم بساطتها: مشروع أو اقتراح قانون، لجان نيابية، تصويت في مجلس النواب، ثم توقيع رئيس الجمهورية أو تركه يمرّ بحكم المهلة، هكذا تُلغى القوانين. ليس بتصريح، ولا بتسريب، بل بأصوات نواب يتحمّلون مسؤولية قرارهم أمام الناس.


لكن هنا تحديدًا ، تبدأ الازمة الحقيقية. إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل ليس بندًا إداريًا، هو كسر لخط أحمر رُسم عبر زمن و أجيال. هو انتقال من موقع إلى آخر، من تعريف إلى تعريف، وهذا الانتقال لن يمرّ بسلام.


سياسيًا، قد يفجّر انقسامات داخلية حادة في بلد لم يشفَ أصلًا من انقساماته. أمنيًا، قد يفتح الباب أمام أشكال من التواصل غير المضبوط، في ظل غياب أي اتفاق سلام جدّي.


قانونيًا، يخلق تضاربًا مع نصوص قائمة تجرّم التعامل مع “العدو”، ما يعني أن المسألة ليست قانونًا واحدًا يُلغى، بل منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة صياغة.


وفي ظل الوضع الراهن، يأتي موقف عادل يمّين واضحًا وحاسمًا: "من غير الملائم إطلاقًا، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات والمشاكل العالقة، إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل". وقد يكون هذا موقف يختصر شعور شعب بأسره: انّ التوقيت، بحد ذاته، يحمل مشكلة أكبر من الموضوع.


في النهاية، المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان القانون سيلغى أم لا، بل هل لبنان مستعد للتخلي عن ثوابته وإعادة هيكلة هويته من جديد؟ هل يمكن للبنان أن يبدّل مكانته في المنطقة؟ بين الضغط الخارجي و القرار السيادي: أم الشهيد تتساءل من المنتصر؟


أسئلة صعبة، و ربما غير مريحة. لكنّها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لم يعد السكوت عنها يحتمل، ولا تجييرها الى الوقت.

يقرأون الآن