السودان

مسعد بولس: أميركا تسعى لإيجاد حلول سلمية للنزاع في السودان


مسعد بولس: أميركا تسعى لإيجاد حلول سلمية للنزاع في السودان

في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الملفات العربية والأفريقية، أطلّ كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، من نافذة سكاي نيوز عربية ليكشف بشكل غير مسبوق عن خريطة السياسة الأميركية في المنطقة.

لم يكن حديثه مجرد تصريح دبلوماسي مألوف، بل كان رسالة متعددة الاتجاهات: تحذير للمعرقلين في السودان، وطمأنة لشركاء المغرب، واحتفاء بمسار ليبي نادرا ما يُشادُ به.

في أربعة محاور لا تقل خطورة بعضها عن بعض، رسم بولس ملامح رؤية الإدارة الأميركية لأزمات تتشابك فيها الإنسانية بالجيوسياسية، والدبلوماسية بضغوط الملف الأمني، وذلك عبر مقابلة خاصة كشفت عن أدوات واشنطن ونواياها في مرحلة بالغة الدقة والحساسية.

اجتماع برلين: الحل العسكري مسدود

أكد مسعد بولس أن مؤتمر برلين الأخير خلص إلى مبدأ محوري لا خلاف عليه دوليا: لا وجود لحلٍّ عسكري للنزاع في السودان.

وقد أسفر المؤتمر عن إعلان مبادئ وقّعت عليه نحو 22 إلى 23 دولة ومنظمة دولية، من بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول العربية والاتحاد الأوروبي وقطر وتركيا والمملكة المتحدة وسويسرا والنرويج، فيما وصفه بولس بأنه "دعم غير مسبوق لا مثيل له" لمسار سلمي تفاوضي.

غير أن المستشار لم يُخفِ مرارته إزاء ما رصده على أرض الواقع، إذ أشار إلى أن الطرفين المتحاربَيْن لا يبدوان مقتنعَيْن بعدُ بانعدام الخيار العسكري، وهو ما وصفه بـ"الأمر المؤسف".

23 مليون على حافة المجاعة

رسم بولس صورة قاتمة للوضع الإنساني في السودان، مستشهدا بأرقام مأساوية: أكثر من ثلثَي الشعب السوداني بحاجة ماسّة إلى مساعدات إنسانية، وحوالي 23 مليون شخص يعيشون على حافة المجاعة، فيما تجاوز عدد اللاجئين والنازحين 12 مليون نسمة.

ووصف المستشار هذه الأزمة بأنها "أكبر كارثة إنسانية على الإطلاق في العالم"، مؤكدا أن إيصال المساعدات إلى المدن والمناطق السودانية وتمكين المدنيين من العودة الآمنة يمثلان أولوية قصوى لإدارة ترامب.

الهدنة الإنسانية والآلية الأممية المعطّلة

كشف بولس أن الولايات المتحدة تسعى بشكل حثيث إلى إقرار هدنات إنسانية مؤقتة تتيح إيصال المساعدات، وأن واشنطن نجحت بالتنسيق مع الأمم المتحدة في بناء آلية أممية متخصصة لهذا الغرض، جاءت استجابةً لطلب سوداني صريح من مؤسسة الجيش والحكومة. إلا أنه أبدى خيبةَ أملٍ واضحةً حين أشار إلى أن هذه الآلية، بمجرد أن وُضعت في تصرف الأطراف السودانية، قوبلت بالتجاهل وبـ"عراقيل دائمة ومطالب متقلبة وسعي مستمر للتخريب"، على حد تعبيره.

تحذير صريح: لدى واشنطن خيارات ستُستخدم

لم يتردد بولس في توجيه رسالة تحذيرية واضحة لمن يعرقلون المسارات السلمية والإنسانية. وقال إن الولايات المتحدة تمتلك "عدداًكبيرا من الأدوات والخيارات المتاحة للوزير روبيو والرئيس ترامب، يمكن استخدامها في أي وقت مناسب"، مضيفا أن هذه الخيارات جزء من مسار بدأ منذ الإدارة السابقة ولم يتوقف. وفي السياق ذاته، تحدث عن نتائج مؤتمرَيْن دوليَّيْن، الأول في واشنطن الذي أسفر عن تبرعات تجاوزت مليارَاً ونصف مليار دولار، والثاني في برلين الذي جمع أكثر من مليار و800 مليون دولار لدعم الشأن الإنساني السوداني.

أولويات ترامب في السودان: أربعة محاور استراتيجية

حدّد بولس أربع نقاط ترتكز عليها سياسة إدارة ترامب تجاه السودان: أولاها وأهمها الملف الإنساني الذي تصدر قائمة التعليمات الرئاسية بحسب قوله، وثانيتها الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي، وثالثتها أمن الملاحة في البحر الأحمر باعتباره "خطاً أحمر" لترامب، ورابعتها التصدي للإرهاب والمنظمات الإرهابية عبر الأفريكوم وعمله الدائم في الصومال ومنطقة الساحل، ونيجيريا واليمن وغيرها.

الرهان على الحوار الوطني والمسار المدني

على الصعيد السياسي، أعلن بولس أن الولايات المتحدة تدعم الحوار الوطني السوداني الشامل بمشاركة جميع أطياف المجتمع المدني، من أحزاب ومجموعات نسائية وشبابية وقيادات متنوعة. وأشار إلى أن هذا المسار شهد لقاءات عدة في دول أفريقية مجاورة وأخرى أوروبية، مع دعم أمريكي وأممي وخماسي. وأكد أن "الانتقال إلى حكومة مدنية مستقلة بالكامل" هو الهدف الأسمى لهذا المسار.

علاقة بـ250 عاماً تتجدد بالقنصليات والمناورات

تحدث بولس عن العلاقات الأمريكية المغربية بوصفها علاقة "مميزة وتاريخية" تمتد لأكثر من 250 عاماً. وأبرز في هذا الإطار زيارة نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو وقائد الأفريكوم الجنرال أندرسون للمغرب، وإطلاق مناورة "أفريكان لايون" السنوية الكبرى، فضلاً عن افتتاح أحدث قنصلية أمريكية في العالم بمدينة الدار البيضاء. وأشار بولس إلى أن المغرب بات يضم اليوم أقدم سفارة أمريكية في العالم بالرباط وأحدثها في الدار البيضاء معاً.

الجزائر شريك استراتيجي بلا إقصاء

لم يُغفل بولس الجانب الجزائري، مؤكدا أن واشنطن "تتمتع بعلاقات جيدة وإستراتيجية" مع الجزائر، تجلّت في زيارة نائب الوزير لاندو وقائد الأفريكوم أندرسون إلى الجزائر أيضاً، وما تتضمنه من تعاون عسكري وأمني في مجال مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، إضافةً إلى تعاون اقتصادي متصاعد.

قرار 2797: بصيص أمل في ملف الصحراء

في ملف الصحراء الغربية، أشاد بولس بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، واصفا إياه بـ"القرار التاريخي" في قضية تمتد لخمسين عاما.

وأوضح أن القرار أتاح عقدَ سلسلة من اللقاءات بين الأطراف الأربعة المعنية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مشيرا إلى أن تلك الاجتماعات كانت "جيدة نوعاً ما" وإن كانت واشنطن لا تزال تنتظر "تقدماً ملموسا" في هذا الملف. وأدان بولس بشدة ما أسماه "اعتداءً مؤسفاً" أثار إجماعاً أوروبياً وعربياً وأفريقياً في الإدانة، معرباً عن تمسكه بضرورة التوصل إلى "حل توافقي عبر التفاوض يُرضي جميع الأطراف".

جولات مكثفة وإنجازات لافتة

أبدى بولس ارتياحاً ملحوظا حين تناول الملف الليبي، كاشفا عن جهود أمريكية مكثفة امتدت قرابة عام، تجلّت في اجتماعات رفيعة المستوى بدأت من روما في سبتمبر الماضي، ثم تواصلت عبر لقاء ثانٍ في باريس، تخلّلتها اجتماعات مكثفة بين فريقَيْن من الطرفَيْن الليبيَّيْن مع ممثلي الإدارة الأمريكية.

الميزانية الموحدة والتوحيد العسكري: مكاسب تاريخية

أحصى بولس جملةً من المكاسب التي تحققت خلال هذا المسار، في مقدمتها التوصل إلى ميزانية وطنية موحدة للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وتنظيم مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة الطرفَيْن معاً للمرة الأولى في تاريخ ليبيا، إضافةً إلى إنشاء خلية عمل ومكتب متخصص لمتابعة مساعي توحيد المؤسسات العسكرية. وأشار كذلك إلى أن العمل يسير قُدُماً على ملفَّيْ المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

الرهان على المسار الأممي وانتخابات قادمة

أكد بولس أن إدارة ترامب تدعم المسار الأممي بقيادة المبعوثة الأممية هانا تِش، وتسعى إلى دعم الحل الليبي الليبي، بما يُفضي إلى "توحيد جميع المؤسسات والتحضير لانتخابات وطنية" في المستقبل.

الإخوان المسلمون والرباعية.. ثوابت لا تتغير

في معرض رده على أسئلة تتعلق بموقف الإدارة الأمريكية من جماعة الإخوان المسلمين، تحدث بولس عن تصنيف اعتبره "إنجازاً يفخر به" لإدارة ترامب والوزير روبيو، مشيراً إلى أن هذا التصنيف المهم طُبّق فيما يتعلق بمصر والأردن ولبنان والسودان، مع الإشارة إلى إمكانية انسحابه على دول أخرى. وأكد أن الرباعية (المجموعة الدولية المعنية بملفات المنطقة) تتبنى موقفاً واضحاً وصريحاً في هذا الشأن، يعود إلى بيان الثاني عشر من سبتمبر الماضي الذي شكّل "خريطة طريق" بخط أحمر صريح إزاء هذا التنظيم، مؤكداً أن هذا الموقف "المبدأ" لم يطرأ عليه أي تغيير بين أعضاء الرباعية.

يقرأون الآن