مقالات

خاص "وردنا"- صفارات إنذار مرفأ بيروت تدوي في قلوب الاهالي...والعدالة ملجأهم


خاص

صحيح ان اختبار نظام صفارات الإنذار الذي أجرته إدارة مرفأ بيروت أمس كان تقنيا، يهدف إلى التأكد من فعالية النظام وجاهزيته التشغيلية الا أن دوي هذا الصوت القوي لم يمر مرور الكرام في نفوس أهالي ضحايا انفجار المرفأ الذين عادت بهم الذاكرة الى السادسة من مساء ذلك اليوم المشؤوم في الرابع من آب 2020 حيث توقفت قلوبهم عن النبض، وتحولوا الى أشخاص تائهين يبحثون عن بصيص أمل بين النيران والركام والحطام، فاختنقوا من هول المصيبة ومن دخانها الاسود الذي وصل الى فضاء العالم كله، وبكوا وعلا صراخهم الذي حفر في قلوب الملايين تماما كصوت الانفجار الذي لا يزال يرافق أهل العاصمة المدمرة والمنكوبة.

تجربة صفارات الانذار في مرفأ بيروت التي تعتبر الاولى من نوعها، وتندرج في إطار رفع الجاهزية، وتحديث أنظمة السلامة العامة المعتمدة داخل حرم المرفأ وتطويرها، شكلت تقاطعا لذاكرة جماعية لا تزال مثقلة بالحزن والعتب والندم والفراق والوجع. ذاكرة لا يزال جرحها ينزف لأن العدالة لم تتحقق بعد، وسط الكثير من الاسئلة حول التدابير المتخذة في بيروت وغيرها من المناطق لاستباق أي حدث طارىء أو مصيبة أو أزمة في بلد يعيش على فوهة بركان منذ سنوات وسنوات خصوصا في هذه المرحلة المصيرية الدقيقة والخطيرة حيث الحرب تقضم الاخضر واليابس وحيث لا أمن ولا أمان في أي منطقة.

هذه التجربة، تدفع الى التساؤل حول إمكانية تعميمها على مختلف المناطق اللبنانية في ظل النزاعات والغارات والفلتان الامني وغياب المراقبة والمحاسبة في الكثير من المرافق العامة والمؤسسات الكبرى علها تخفف من المآسي والخسائر .

يقول أحد نواب بيروت السابقين لموقعنا ان هذه الخطوة مهمة خصوصا فيما يتعلق بجهوزية مرفأ بيروت، وامكانية التصدي لأي طارىء، وعدم تكرار الكارثة التي حصلت في 2020، لكن تفعيل هذه الصفارات يبقى محصورا ضمن نطاق المرفأ والسفن مع اننا نسمع العديد من أهل العاصمة وسكانها يطالبون بتوفير أجهزة الانذار المبكر خصوصا خلال الحرب الحالية، بعد ان تعرضت بيروت لغارات عنيفة أودت بحياة الكثيرين. لكن لا نعلم الى أي حد هذه الاجهزة ستكون فعالة في ظل عدم توفر الملاجىء المحصنة والتي تحمي الناس من الغارات في ظل التطور التكنولوجي الهائل على الصعيد العسكري اذ يمكن تعطيل أجهزة الإنذار المبكر وشبكات الرادار بسهولة، ويتم تضليل المعلومات. لم تعد الملاجىء الملاذ الآمن في الحروب نظرا لتقنيات الحرب الالكترونية الخارقة لكل أنواع التحصينات. على أي حال، أجهزة الانذار مهمة جدا في المرافق العامة لتفادي الحوادث أو لتقليل الخسائر البشرية أي لحسن إدارة الكوارث لكن لن تكون مجدية على مستوى الحماية الوطنية الشاملة في حالة الحرب اليوم. ومن يدري، لو كانت صفارات الانذار موجودة في المرفأ قبل الانفجار ربما كنا تفادينا كل هذه الخسائر . المهم ان نكون تعلمنا، والا نسمح بوقوع كارثة أخرى يمكن تفاديها.
على المقلب الآخر، الاكثر انسانية حيث الوجع والالم والحسرة كبيرة، فإن جهاز الانذار في المرفأ عاد ليحفر في قلوب الاهالي الذين لن ينسوا لحظة واحدة ذلك الصوت المدوي في الرابع من آب 2020 الذي خطف معه أحباءهم.

ويأسف الناشط وليام نون شقيق الضحية جو نون لأن جهاز الانذار لم يكن موجودا حين انفجرت المواد الخطيرة في مرفأ بيروت، ودفعوا كما كل أهالي الضحايا والجرحى الثمن الذي لن يعوضه شيء اليوم، لكن رغم ذلك، فلا بد من التنويه بأهمية الخطوة التي ربما تجنب العاصمة وأهلها أي حادث مأساوي في المستقبل، "لأنو اللي صار صار، وخسارتنا لن تعوض" كما يقول نون الذي يشدد على الدور الاهم الذي تلعبه وكان يجب أن تلعبه حينها الاجهزة الامنية التي لم تبلغ عن خطورة المواد المخزنة في العنابر، وهذا تواطؤ لأنه لو أدت الاجهزة المعنية الدور المطلوب منها بمهنية وكفاءة لما حصل الذي حصل خصوصا ان كثيرين كانوا يعلمون ولم يتخذوا أي اجراء.

لكن رغم ذلك، ينوه نون بعمل بعض الوزراء في الحكومة الذين يتحملون مسؤولياتهم، ويقومون بواجباتهم بجدية وحكمة في سبيل انقاذ البلد وعدم تكرار ما حصل، واختبار نظام صفارات الإنذار في المرفأ يأتي في هذا الاطار، وهذا أمر جيد. ما يهمنا نحن اليوم كأهالي الضحايا كما كل اللبنانيين أن يصدر القرار الظني في ملف انفجار المرفأ بحيث ان القاضي طارق البيطار ختم تحقيقاته في القضية، وأحال الملف برُمته على النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، وأصبح اليوم في عهدة المدعي العام التمييزي القاضي أحمد الحاج الذي سنزوره قريبا، ونطلع منه على المهلة الزمنية التي ستحتاجها دراسة الملف، والمسار القانوني المنتظر، وصولا الى اصدار القرار الظني الذي سيحدد مسؤولية كل شخص من المدَّعى عليهم في انفجار المرفأ.

يقرأون الآن