خاص- تحركات سعودية مكثفة... هل تنجح الرياض في تجنيب المنطقة الحرب؟

لا تزال المملكة العربية السعودية تمارس دورها البارز في حل النزاعات الدولية والإقليمية، أو على الأقل الحد من تداعياتها، عبر دبلوماسيتها “المحنّكة” والهادئة، مستفيدة من ثقلها السياسي والديني والاقتصادي الذي منحها مكانة دولية تؤهلها للعب دور الوسيط في أكثر الملفات تعقيداً. فالمملكة تُعد من أبرز القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، وواحدة من الدول الخليجية الأكثر حضوراً في مواجهة الأزمات الإقليمية ومحاولات احتوائها.

وخلال الأيام الماضية، عاد الدور السعودي إلى الواجهة بعدما كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أجّل الضربة العسكرية التي كانت مقررة ضد إيران، بعد تدخل عدد من الدول العربية، من بينها السعودية، في خطوة عكست حجم التحرك الخليجي لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تهدد أمن الشرق الأوسط والعالم.

وفي هذا السياق، يقول الصحافي السعودي غازي الحرثي لـ"وردنا" إن السعودية تدعم بوضوح جهود الوساطة الباكستانية، انطلاقاً من حرصها على تجنيب المنطقة والعالم تداعيات أي حرب طويلة، خصوصاً بعدما أظهر شهر من التصعيد حاجة العالم الماسّة إلى أمن الطاقة واستمرار تدفق الإمدادات النفطية من الخليج، إضافة إلى أهمية حماية الممرات البحرية وحركة الملاحة الدولية.

وترى الرياض أن استمرار الحرب، في ظل غياب أي يقين لدى الطرفين الأميركي والإيراني، لن يحقق نتائج ملموسة، لذلك تواصل تحركاتها السياسية ودعمها للوساطة الباكستانية، إلى جانب جهود تُبذل بعيداً عن الإعلام لتسهيل التهدئة وتقريب وجهات النظر. كما أن إعلان ترامب تأجيل العملية العسكرية بطلب من السعودية وقطر والإمارات، يعكس تحوّل دول الخليج إلى لاعب أساسي ليس فقط في الاقتصاد العالمي، بل أيضاً في حماية الأمن والاستقرار الدوليين، في وقت تدفع فيه إسرائيل وإيران نحو استمرار التصعيد خدمةً لحساباتهما السياسية والعسكرية.

ولا يقتصر الحراك السعودي على الملف الإيراني، بل يمتد أيضاً إلى الساحة اللبنانية، حيث تتواصل المشاورات والاتصالات السياسية لمنع لبنان من الانزلاق إلى الحرب، عبر زيارات وتحركات يقودها مسؤولون سعوديون، يتقدمهم الأمير يزيد بن فرحان، إضافة إلى اتصالات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين. وترى السعودية أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بقدرة اللبنانيين على تغليب المصلحة الوطنية ومنع أي ذرائع قد تمنح إسرائيل فرصة لتوسيع حربها على لبنان.

من جهته، يعتبر الكاتب والباحث السياسي السعودي مبارك آل عاتي أن التدخل السعودي تجاه قرار واشنطن بشن ضربة على إيران يأتي من باب المسؤولية التي تتحملها المملكة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك تجاه الشعب الإيراني والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. ويؤكد أن السعودية لطالما آمنت بأن الحوار والمفاوضات هما الطريق الوحيد لحل النزاعات، وأن الاستقرار لا يُصنع بالحروب بل بالتفاهمات السياسية.

وتدرك الرياض أن أي تصعيد عسكري جديد ستكون له تداعيات مباشرة على دول الخليج، خصوصاً إذا توسّعت المواجهة أو طال الرد الإيراني الدول العربية المجاورة، لذلك تواصل جهودها لمنع أي مواجهة مفتوحة والعمل على تثبيت التهدئة حتى بعد قرار تأجيل الضربة الأميركية.

وفي الملف اللبناني، لا يبدو الاهتمام السعودي منفصلاً عن تاريخ طويل من العلاقات بين البلدين، إذ تؤكد المملكة باستمرار دعمها لأمن لبنان واستقراره، وحرصها على تعزيز دور الدولة المركزية ومؤسساتها الشرعية، بعيداً عن أي سلاح خارج إطارها، ولا سيما “حزب الله” المرتبط بإيران. كما تواصل السعودية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا، دعم الرئاسات اللبنانية الثلاث في مساعيها لفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وسط تصاعد الدعوات الداخلية لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.

وفي ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، تبدو السعودية اليوم أمام دور يتجاوز الوساطة التقليدية، نحو محاولة رسم توازن سياسي يمنع انفجار الشرق الأوسط بالكامل. وبين الملف الإيراني والساحة اللبنانية، تتحرك الرياض على أكثر من خط، واضعة الاستقرار الإقليمي وأمن المنطقة في صدارة أولوياتها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن أي خطأ سياسي أو عسكري قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواء نتائجها.

يقرأون الآن