لطالما شكّلت شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) شرياناً حيوياً يربط لبنان بالعالم، خصوصاً خلال المحطات الصعبة التي شهدتها البلاد، من الأزمات الاقتصادية إلى الحروب والتوترات الأمنية. وفي وقت علّقت فيه شركات طيران أجنبية رحلاتها إلى بيروت خلال فترات التصعيد، واصلت الشركة الوطنية تشغيل رحلاتها، ما جعلها ركيزة أساسية لاستمرار حركة السفر من وإلى لبنان.
إلا أن تقريراً نشرته وكالة "رويترز" أخيراً حول الشركة أثار بلبلة واسعة في الأوساط اللبنانية، بعدما تضمّن شكاوى ومخاوف مرتبطة بظروف العمل والسلامة التشغيلية. وبين من اعتبر أن التقرير يسلّط الضوء على هواجس مشروعة، ومن رأى فيه إساءة إلى سمعة الناقل الوطني في مرحلة حساسة، تصاعد الجدل حول خلفيات القضية والأطراف التي تقف وراءها.
وفي خضم الجدل الذي أثاره التقرير، برز تعليق للإعلامي عماد شديّاق عبر منصة "إكس"، حيث اعتبر أن المعلومات التي استند إليها تقرير "رويترز" جاءت من مجموعة محدودة من الطيارين داخل الشركة. وكتب: "تبيّن أن تقرير وكالة "رويترز" قبل أيام، الذي تناول شركة MEA، يقف خلفه مجموعة صغيرة من الطيارين في الشركة نفسها. حتى اللحظة لم يُعرف السبب الحقيقي خلف تحامل هؤلاء على الشركة التي يعتاشون منها، كما لم يُعرف إن كان لحملة هؤلاء أهدافاً سياسية. لكنّ الأكيد أنّ هذه "الحملة المدبّرة" لو كُتب لها النجاح، لكانت ستهدّد بإقفال مطار رفيق الحريري الدولي، وإلحاق الأذى بشركة يعتاش منها قرابة 5000 عائلة لبنانية. غريب أمرنا في لبنان، بينما تسعى الحكومة إلى فتح مطار جديد إضافيّ، تتبرّع حفنة من "مَرضَى النفوس" لإقفال مطار بلادهم... أيّ التبرع للقيام بما عجزت عنه إسرائيل! للحديث تتمة والمزيد من التفاصيل ستُكشف تباعاً."
وفي حديثٍ لموقعنا، أوضح الإعلامي عماد شديّاق أن الحملة التي طالت شركة طيران الشرق الأوسط لا تستند، حتى الآن، إلى معطيات تؤكد وجود خلفيات سياسية مباشرة وراءها، مع إشارته إلى أن بعض الجهات لا تستبعد بالكامل وجود أهداف غير معلنة. ورأى أن الاعتراضات المطروحة تصدر عن عدد محدود من الطيارين، وأن ما يجري محاولة للضغط وتحقيق مطالب معينة أكثر منه تعبيراً عن مخاوف مرتبطة بسلامة الطيران.
وأشار شديّاق إلى أن الانتقادات التي وُجّهت تاريخياً إلى شركة طيران الشرق الأوسط كانت تتركّز في الغالب على أسعار التذاكر أو بعض الجوانب الخدمية، مؤكداً أنه لم تُسجّل في السابق ملاحظات جدية تتعلق بمعايير السلامة الجوية. وشدّد على أن قطاع الطيران يقوم على منظومة متكاملة تضم الطيارين والمهندسين والفرق الفنية والخدمات الأرضية وموظفي العمليات، ما يجعل نجاح الشركة واستمرارية عملها نتيجة جهد جماعي لا يرتبط بفئة واحدة من العاملين.
وأضاف أن الشركة ما زالت تتمتع بعلاقات تعاون واتفاقيات مع عدد من شركات الطيران الدولية، كما تواصل تشغيل رحلاتها إلى مطارات عدة حول العالم، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار الثقة بعملياتها التشغيلية وبالمعايير المعتمدة لديها.
ولفت شديّاق إلى أن شركة طيران الشرق الأوسط اضطلعت خلال السنوات الماضية بأدوار تجاوزت إطار عملها كناقل وطني، ولا سيما في ظل الأزمات التي شهدها لبنان، حيث ساهمت في الحفاظ على استمرارية العمل في مطار رفيق الحريري الدولي وتأمين خدمات أساسية خلال مراحل دقيقة وصعبة،
وقال شديّاق إن الاعتراضات الحالية لا تعبّر عن موقف غالبية الطيارين في الشركة، مشيراً إلى أن رواتب قادة الطائرات تتراوح بين 10 و15 ألف دولار شهرياً. وأضاف أن عدداً من الطيارين واصلوا أداء مهامهم خلال فترة الحرب، لافتاً إلى وجود تنسيق مستمر بين الشركة وجهات دولية عدة، من بينها السفارة الأميركية، التي واصلت الاعتماد على رحلات الشركة لنقل موظفيها ومواطنيها. واعتبر أن استمرار هذا التعاون يشكل دليلاً إضافياً على الثقة بإجراءات السلامة المتبعة.
وأكد شديّاق أن موقفه لا يندرج في إطار الدفاع عن إدارة الشركة، بل يأتي من حرصه على استمرارية عمل مطار رفيق الحريري الدولي باعتباره المنفذ الجوي الرئيسي للبنان، وعلى سلامة اللبنانيين وضمان قدرتهم على التنقل في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وقال: "نحنا ما تهزني واقف عا شوار ومش ناقصنا". وحذّر من أن أي تشكيك غير مستند إلى معطيات واضحة في سلامة الناقل الوطني قد ينعكس سلباً على لبنان وعلى المطار وحركة السفر من وإلى البلاد.
ورغم كل ما يثار، تبقى الحقيقة الأبرز أن لبنان لا يملك ترف خسارة مطاره أو التشكيك بقدرته على الاستمرار في هذه المرحلة الدقيقة. فمطار رفيق الحريري الدولي ليس مجرد منشأة عامة، بل هو شريان حيوي يربط اللبنانيين بالعالم، ويؤمن استمرارية الحركة الاقتصادية والإنسانية في أصعب الظروف.
ومع استمرار التوترات والحرب في المنطقة، وما يرافقها من محاولات لإرباك حركة الطيران والتأثير على لبنان، تبرز الحاجة إلى حماية هذا المرفق الحيوي والحفاظ على استمرارية عمله، باعتباره أحد آخر المرافق القادرة على ضمان بقاء البلاد متصلة بالعالم الخارجي مهما اشتدت الأزمات.


