كتب رئيس التحرير
في قصر بعبدا المطلّ على عاصمةٍ تلملم جراحها، يجلس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي حملته عاصفة اللحظة التاريخية إلى سدّة المسؤولية الأولى. يدرك الرجل، الآتي من عقيدة المؤسسة العسكرية، أن الحروب الشرسة لا تنتهي دائماً في الميدان، بل تُحسم صياغتها الأخيرة على طاولات التفاوض الشائكة.
من قصر بعبدا، يدير جوزاف عون أدقّ ملفات لبنان الحديث: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. لا يقف الرئيس وحيداً في خط النار الدبلوماسي. فقد اختار بعناية "رجل المرحلة" لترؤس الوفد، السفير المخضرم سيمون كرم، ابن الخط السيادي والعارف بأروقة العاصمة الأميركية. وإلى جانب كرم، يقف وفدٌ عسكري يحمل في جعبته خرائط الحدود، وعقيدة الدفاع، وكرامة البزّة المرقطة. يمثل هذا الثنائي الدبلوماسي - العسكري، ذراعي الرئيس في معركةٍ لا تقلّ ضراوة عن مواجهات الميدان.
سقف رئيس الجمهورية في هذه اللعبة المعقدة واضحٌ ومرتفع، صِيغَ تحت سقف السيادة اللبنانية الكاملة. لا مكان للمساومة في قاموس بعبدا. الشروط اللبنانية تبدأ وتنتهي عند خطوط ثابتة: وقف فوري وشامل لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من كل شبر من الأراضي المحتلة.
تجلّت ذهنية الرئيس الصارمة في كواليس الجولة الأخيرة الصعبة بمقر وزارة الخارجية الأميركية. حين حاولت تل أبيب فرض شروطها، لم يتردد رئيس الوفد سيمون كرم بالتلويح بتعليق المفاوضات بوجه التعنت الإسرائيلي، معلناً بلسان بعبدا أن لبنان لا يفاوض تحت الإملاءات، مما استدعى تدخلاً مباشراً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإعادتها إلى السكة.
في حسابات جوزاف عون، السيادة بلا سيف يحميها تظل حبراً على ورق. لذا، يحضر حفظ الجيش اللبناني ودعمه، وبسط سلطته الحصرية، كبندٍ وجودي لا يقبل القسمة. يرفض الرئيس أي طروحات تسعى لتكبيل حركة المؤسسة العسكرية، متمسكاً بأن الجيش هو الضمانة الوحيدة والشرعية لإعادة بناء الدولة وحماية حدودها.
إنه بورتريه لرئيسٍ يدير مفاوضات حافة الهاوية ببرودة أعصاب، ممسكاً بخيوط الدبلوماسية عبر سيمون كرم، وبنادق الشرعية عبر وفده العسكري، والهدف واحد: العبور بلبنان إلى ضفة الاستقرار، بلا تفريط في شبر أرض، وبلا مساس بكرامة السيادة


