مقالات

لغة التعاون فوق التجاذبات: قراءة في مبادرة فؤاد مخزومي لتوحيد جهود نواب بيروت

لغة التعاون فوق التجاذبات: قراءة في مبادرة فؤاد مخزومي لتوحيد جهود نواب بيروت

 في وقت يمر فيه لبنان بأزمات وجودية ضاغطة تُرخي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، تبرز العاصمة بيروت كمرآة لهذه المعاناة التي تتطلب حلولاً عاجلة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

في هذا السياق، جاءت التغريدة الأخيرة للنائب فؤاد مخزومي، والموجّهة إلى زملائه النواب ملحم خلف، وإبراهيم منيمنة، ووضاح الصادق، لتعيد ترتيب الأولويات وتفتح الباب أمام قراءة معمقة لواقع العمل البلدي والنيابي في العاصمة، مكرّسةً مفهوم "الإنماء أولاً" كقاعدة للالتقاء.

تفكيك التغريدة: التوضيح كمدخل للشراكة

لم تكن تغريدة النائب فؤاد مخزومي مجرد ردّ فعل على التباس سياسي عابر، بل حملت في طياتها أبعاداً تنظيمية ومؤشرات إيجابية على رغبة حقيقية في مأسسة العمل المشترك من أجل بيروت. ويمكن تلخيص أبرز النقاط التي ركّز عليها مخزومي في الآتي:

دورية اللقاءات واستمراريتها: أوضح مخزومي أن الاجتماعات ليست وليدة اللحظة أو مرتبطة بأجندة طارئة، بل هي استمرار لنهج بدأ منذ فوز المجلس البلدي الحالي، بهدف مواكبته ودعمه.

تجاوز العناوين السياسية: شدّد على أن اللقاء الأخير في بلدية بيروت، بحضور المحافظ ورئيس المجلس البلدي، لم يكن تحت أي لواء سياسي أو نيابي فئوي، بل أملته ضخامة الملفات الملحّة وحاجات أهل العاصمة.

الانفتاح والترحيب بالجميع: أكد مخزومي أن بيروت تتسع لجميع أبنائها وطاقاتهم، موضحاً أن مشاركة بعض النواب جاءت عفوية ولقيت ترحيباً طبيعياً، متوّجاً هذا الانفتاح بتوجيه دعوة رسمية لزملائه للمشاركة في الاجتماع المقبل مع وزير الداخلية.

توضيح الالتباس: تميزت التغريدة بنبرة دبلومسية راقية، حيث اعتذر مخزومي عن أي سوء فهم قد يكون قد رافق اجتماع الأمس، مؤكداً أن مصلحة العاصمة تعلو فوق أي اعتبارات أخرى.

أهمية تضامن نواب العاصمة في التوقيت الراهن

تكتسب دعوة مخزومي للتضامن أهمية استثنائية بالنظر إلى التوقيت والظروف الراهنة التي يعيشها لبنان. فبيروت، التي تعاني من ترهل في البنى التحتية، وأزمات في النفايات، والكهرباء، والمياه، فضلاً عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد تحتمل ترف الخلافات السياسية أو المناكفات الحزبية.

إن تضامن نواب بيروت في هذا التوقيت بالذات يمثّل شبكة أمان حقيقية للمدينة. فالملفات الإنمائية والخدمية لا هوية سياسية لها، وحاجة المواطن إلى طريق معبّد، أو بيئة نظيفة، أو أمن مستقر، هي حاجة عابرة للاصطفافات. عندما يقف النواب معاً خلف المجلس البلدي، فإنهم يمنحونه الغطاء السياسي والزخم المعنوي والتشريعي اللازم لانتزاع حقوق العاصمة من الإدارات الرسمية والوزارات المعنية، والتوجه بملفات واضحة وموحدة إلى رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية.

نحو نموذج جديد للعمل الإنمائي

"ما يعنينا جميعاً هو التعاون والتكامل لما فيه مصلحة بيروت وأهلها، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى."

تختصر هذه العبارة من تغريدة مخزومي الخارطة المرجوة لإنقاذ العاصمة.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من حالة "التنافس السياسي" إلى حالة "التكامل الإنمائي". ويشكّل المجلس البلدي لبيروت الأداة التنفيذية الأساسية لتحقيق هذا الإنماء، لكنه يبقى قاصراً ما لم يلقَ الدعم الكامل من المكوّنات النيابية التي تملك القدرة على التشريع والمراقبة والضغط لرفع الغبن الفيدرالي أو الإداري عن العاصمة.

في الختام، تشكّل مبادرة النائب فؤاد مخزومي وتوضيحه الراقي خطوة متقدمة نحو كسر الجليد السياسي التقليدي. إنها دعوة صريحة لترسيخ ثقافة الحوار والعمل الجماعي؛ فالأزمات المعيشية التي تضرب بيروت تتطلب تضافر كل الجهود الصادقة، والتعالي على الخلافات الضيقة هو السبيل الوحيد لإعادة البريق لـ "ست الدنيا" وإرساء نموذج يحتذى به في التضامن من أجل الإنسان أولاً وأخيراً.

يقرأون الآن