كتب رئيس التحرير:
لم يكن ياسين جابر ماليّاً يعشق جفاف الأرقام، بل كان يقرأ فيها مصائر البشر.
حين جلس على كرسي وزارة المالية، لم يكن يجلس على مخمل السلطة، بل على جمر بلدٍ تتقاذفه عواصف الحرب الإسرائيلية، وتخنقه تداعيات الصعوبات الاقتصادية الشرسة.
في مكتبه، كان يدرك أن الحرب لا تقتل فقط بالقذائف التي تتساقط على قاطني الجنوب، بل تقتل أيضاً بصمت عندما ينهار النقد، وتتبخر رواتب الناس، وتجفّ شرايين المالية العامة.
من يعرف غرف القرار في تلك المرحلة، يعلم أن جابر كان يخوض حرباً صامتة، موازية لتلك المشتعلة على الحدود. كان الرجل يدرك أن سقوط الليرة يعني سقوط ما تبقى من هيكل الدولة. لذا، تحوّل إلى "رادار" دائم للتحوط. يوازن بين شحّ الإيرادات وضغط النفقات. كان عليه أن يحمي مالية الدولة من الإفلاس الكامل، وأن يقنع المؤسسات الدولية بأن لبنان، رغم نزيفه، ما زال جديراً بالثقة وقادراً على الوفاء بالتزاماته.
كانت معادلة صعبة للغاية: كيف تحافظ على تماسك الدفاتر المحاسبية لبلد يعيش في قلب العاصفة؟
لكن الأرقام عند ياسين جابر لم تحجب يوماً الوجوه. كان قلب الوزير معلقاً هناك، في الجنوب، حيث القرى تصمد تحت النار، وحيث الأهل يرفضون الاقتلاع. لم يكن دعمه لأهل الجنوب مجرد شعار سياسي، بل ترجمة يومية لسياسة صمود حقيقية. عرف كيف يطوّع الموازنات لتوظيفها في تعزيز مقومات البقاء. من تأمين المساعدات العاجلة، إلى دعم القطاعات الحيوية. كان يؤمن أن جبهة الاقتصاد لا تقل أهمية عن جبهة الصمود الميداني، وأن حماية كرامة المواطن الجنوبي هي حجر الزاوية في حماية الهوية الوطنية.
كان ياسين جابر في تلك المرحلة رجلاً يمشي على حبل مشدود بين متطلبات الاستقرار النقدي الصارمة، وبين أنين الشارع واحتياجات الصمود الواجبة. نجح في أن يكون صلة الوصل بين عالم الأرقام البارد وعالم المعاناة الإنسانية الدافئ.
مقالة بورتريه لياسين جابر في زمن الحرب، هي قصة مسؤول رفض أن تسقط الموازنة في فخ الانهيار، ورفض أن يسقط الإنسان في فخ الإهمال. لقد أثبت أن الإدارة في زمن الأزمات ليست مجرد وظيفة، بل هي جدارة في ممارسة الانتماء، وشجاعة في اتخاذ القرار تحت وطأة الرماد.


