خاص - الاغتراب اللبناني يتحول إلى

لم تعد الهجرة بالنسبة للبنانيين مجرد مسافة جغرافية للهرب من الأزمات، بل تحولت في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر إلى ساحة نضال موازية، يتقاسم فيها المغترب أعباء الصمود والنزف مع عائلته في الداخل. في هذا الحوار الخاص مع موقع "وردنا"، يضع رئيس المجلس الاغترابي في بلجيكا، مارون كرم، الإصبع على جرح الجالية اللبنانية في أوروبا، مقدماً تشريحاً واقعياً وحاداً لعمق الأزمة الإنسانية والسياسية التي يمر بها لبنان، ومسؤولية الاغتراب في مواجهتها.


قلق دائم ومسؤولية مضاعفة

يوضح مارون كرم أن الاغتراب اللبناني في بلجيكا وعموم القارة الأوروبية يعيش اليوم حالة من "القلق الدائم"؛ فالأجساد في المهجر، لكن العقول والتفكير معلّقة في لبنان على مدار الساعة. يترافق هذا الوضع مع شعور مزمن بالذنب يلاحق المغترب الذي ينعم بالأمان، في وقت يفتقد فيه أهله وأقاربُه في الوطن لأبسط مقومات الحياة من أمن، وكهرباء، ودواء، وسط غلاء فاحش واستشراء للفوضى وغياب الرقابة.


هذا الواقع فرض على المغتربين تحولاً جذرياً، إذ بات المغترب يقوم مجبراً بدور "الدولة البديلة" لتأمين استمرارية عائلته. ولم تعد القضية مجرد حنين عاطفي، بل تحولت إلى "وجع مسؤول" يتجسد في تمسك المغترب بأرضه وقريته أكثر من أي وقت مضى، ليصبح الدفاع عن لبنان وصوته في المحافل الدولية جزءاً لا يتجزأ من يومياته.


على الصعيد المادي، يشير كرم إلى تبدل طبيعي في وظيفة التحويلات المالية؛ فبعد أن كانت تقتصر سابقاً على مصاريف الأعياد والمناسبات، تحولت اليوم إلى "رواتب شهرية" يعتمد عليها الداخل بشكل كامل. هذه الأموال باتت تغطي الفواتير الحيوية من أقساط مدرسية وجامعية، وطبابة، وأدوية، وصولاً إلى اشتراكات المولدات الكهربائية وتأمين القوت اليومي.


ويستشهد رئيس المجلس الاغترابي ببيانات البنك الدولي التي تؤكد أن تحويلات المغتربين أصبحت شريان الحياة الأساسي والوحيد للاقتصاد اللبناني المتهالك. هذا التبدل نقل مفهوم الاغتراب من إطار "النجاح الشخصي" الفردي، إلى مسؤولية وطنية وعائلية مباشرة لإنقاذ ما تبقى من مقومات الصمود.


دبلوماسية الضغط وتعرية الواقع

حركة الجالية في بلجيكا وأوروبا تنشط وفق كرم على مسارين متوازيين؛ المسار الأول إنساني يركز على التواصل مع المنظمات الدولية ومراكز القرار لحثها على إرسال مساعدات طبية وإغاثية ومستلزمات تدفئة، وهو ما تُرجم سابقاً عبر قنوات الاتحاد الأوروبي.


أما المسار الثاني فهو سياسي ودبلوماسي بامتياز، ويتمثل في قيادة حركة "لوبي" فاعلة في بروكسل، وفرنسا، وعموم العواصم الأوروبية. تشمل هذه التحركات لقاءات مكثفة مع نواب ومسؤولين في البرلمان والاتحاد الأوروبي بهدف نقل حقيقة الواقع اللبناني بلا تزييف أو مواربة. ويتركز الضغط الدبلوماسي هنا على اشتراط الشفافية والمحاسبة، وضمان وصول المساعدات الدولية إلى الشعب مباشرة لقطع الطريق على المنظومة السياسية.


إجماع خلف منطق الدولة

في قراءته للمواقف السياسية للجالية، يرى كرم أن النقاشات الاغترابية في أوروبا أصبحت اليوم أكثر جلاءً وجرأة، مستفيدة من التبدل في المواقف الأوروبية الأخيرة، ولا سيما الفرنسية والإسبانية، التي بدأت تفهم عمق المعاناة اللبنانية. ورغم وجود تباين طبيعي في الآراء يعكس الانقسام الداخلي، إلا أن هناك إجماعاً اِغترابياً حاسماً يتجاوز الخلافات الضيقة لصالح أولويتين لا ثالث لهما.


تتمثل الأولوية الأولى في العيش الكريم والاستقرار، والمطالبة بقيام دولة قوية وقادرة على حماية جميع مواطنيها بلا استثناء. أما الأولوية الثانية فهي الوقف الفوري للحرب العبثية والدمار، بعد أن تعب المغترب من الاستنزاف المستمر لدفع أثمان صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.


فاتورة المغامرات الإقليمية

ينتقد كرم بحدة ما يصفه بـ"الانتحار السياسي الجماعي" لبعض القوى التي ما زالت تعيش خارج الزمن وترفض رؤية الواقع كما هو. ويرى أن مغامرات حزب الله وإيران في لبنان قادت البلاد إلى انهيار شامل، ودمار، وتهجير واسع، لدرجة جعلت شريحة واسعة من اللبنانيين تصنّف الخطر الإيراني على بلدها بأنه أخطر من أي عدوان خارجي آخر.


هذه الكارثة بحسب رئيس المجلس الاغترابي هي النتيجة الحتمية لسنوات من "الشعارات الفارغة" وحروب الإسناد العبثية التي أفقدت لبنان اقتصاده، وأمنه، وزينة شبابه، ودمرت قراه في الجنوب، بينما يفرَض على الشعب وحده دفع الثمن. ويشدد كرم على أن اللبنانيين يرفضون منطق "مزرعة الميليشيات" ويتطلعون إلى وطن تسوده الدولة والسلام المستدام.


يختم مارون كرم حديثه بتوجيه انتقادات حادة للسلوك الدبلوماسي الإيراني في بيروت، واصفاً الإطلالات المسلحة للسفير الإيراني بالخطوة الاستفزازية وغير المقبولة، مذكرًا بأن أوراق اعتماده لم تقبل قانونياً وفق الأصول لدى الدولة اللبنانية. كما استنكر حملات التخوين والاتهام بالعمالة والصهيونية التي يشنها حزب الله ضد رئيسي الحكومة والجمهورية، معتبراً أن من يوزع صكوك الوطنية والعمالة عليه أن يراجع ممارساته أولاً.


ويوجز كرم واقع المغترب اللبناني اليوم بأنه لم يعد يعيش هجرة بالمعنى التقليدي، بل هو في "منفى اختياري مزود بالواي فاي"، يدفع فيه ثلاث ضرائب ثقيلة ومستمرة: ضريبة الغربة والبعد عن الوطن، وضريبة المعيشة والإعالة المادية لأهله في الداخل، وضريبة الدفاع الشرس عن اسم لبنان وصورته أمام العالم.

يقرأون الآن