خاص

منذ 26 عاما أي في الخامس والعشرين من سنة 2000، حقق لبنان واللبنانيون إنجازا تاريخيا حين انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب. شكل هذا الانتصار اجماعا وطنيا غير مسبوق اذ ظن كثيرون ان ذلك اليوم سيفتح صفحة جديدة في كتاب البلد الذي عانى لسنوات طويلة من الحروب والاحتلال، سيكتب عليها بأحرف عريضة: سنعمل معا يدا بيد لتأسيس الدولة الفعلية القادرة . دولة القانون والمؤسسات حيث العدالة تحمي كرامة المواطنين وحيث الجيش اللبناني يصون الحدود على مساحة الوطن وحيث الجميع يرفع راية لبنان أولا وأخيرا ويلوح بالعلم اللبناني على مساحة ال 10452 كلم مربع. لكن الوقائع وحروب الآخرين على أرضنا التي تنوعت تارة تحت شعار التضامن والاسناد وطورا تحت شعار الثأر والانتقام، جاءت لتحرق كل الاحلام ببناء الدولة في نار جهنم، ورمت معها البشر والحجر في أتون لهيبها حتى بات كل لبناني يتحسر على الحالة التي يعود بها العيد.

وللمفارقة، تأتي ذكرى "المقاومة والتحرير" هذه السنة فيما احتلت اسرائيل عشرات المناطق في الجنوب، ودمرتها تدميرا كاملا، وهجرت أهلها، وقتلت شبابها، بفعل السياسات والمغامرات العسكرية الغير محسوبة النتائج التي انتهجها "حزب الله" والتي يدفع لبنان بأكمله ثمنها الباهظ اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وانسانيا، وأعادت شعبه لمرحلة ما قبل العام 2000 ليتكرر السؤال على لسان كل مواطن: هل سيتحرر الجنوب مجددا وينسحب الاسرائيلي من المناطق التي احتلها، ويعود الاهالي الى مسقط رأسهم في يوم سيكون تاريخيا بالنسبة لهم ولكل اللبنانيين، وتكون العودة هذه المرة نهائية؟.
والمفارقة الثانية ان الذكرى تتصادف مع يوم تنتظر فيه أميركا وإيران من اعلان اتفاق يهدف الى إرساء السلام في المنطقة واحتواء التصعيد وإنهاء الحرب فيما الجنوب اللبناني ينزف، وتتساقط عليه الغارات كزخات المطر حيث اختفت معالم البلدات بفعل سياسة التدمير الممنهج التي تعتمدها إسرائيل في إبادة عمرانية موصوفة إذ تستمر في نسف وتجريف القرى الحدودية ومسحها لاقتلاع سكانها، وتحويلها إلى منطقة عازلة. في وقت يؤكد فيه أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم أن نزع سلاح حزبه بمثابة "إبادة"، ولا يمكن القبول بذلك، ودعا إلى إسقاط الحكومة كما اعتبر المفاوضات المباشرة مرفوضة، وهي كسب خالص لإسرائيل.

والمفارقة الثالثة ان أغلبية اللبنانيين اليوم بمختلف طوائفهم وتوجّهاتهم السياسية يعارضون حروب الآخرين على أرضهم ان كانت للاسناد أو للثأر، ويرفضون تحويل قراهم الى منصة بريد وبارود، وباتوا على يقين ان الحرب لم تجلب سوى الدمار والتهجير والموت. وبالتالي، يريدون إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، تحاول السلطة تحقيقه من خلال المفاوضات السياسية والأمنية في واشنطن لكن الاهم يبقى في تحرير القرار اللبناني. قرار الحرب والسلم من يد إيران عبر ذراعها في لبنان لأن هذا التحرير سيكون الطريق نحو التحرير من الاحتلال الاسرائيلي.

في ظل الوقائع الميدانية والغارات المكثفة جنوبا، والتطورات الاقليمية، والمستجدات السياسية بين واشنطن وطهران، لا بد من طرح الاسئلة: ماذا بقي من عيد "المقاومة والتحرير"؟ هل أصبح فارغا من معناه في ظل الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل سيبقى لبنان ساحة مستباحة فيما تنعم ايران بسلام على أراضيها وتستمر في استخدام أذرعها على أراض أخرى لايصال رسائلها الى أميركا أو اسرائيل؟

الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع "جنوبية" علي الأمين قال في حديث لـ "وردنا" ان انجاز التحرير عام 2000 الذي كان نتيجة مشاركة كل اللبنانيين اعتبره حزب الله ملكا له، وباعه لايران بثمن زهيد، وحوّل البلد الى ورقة في يدها على طاولات التفاوض. وبرزت معالم هذه الورقة عام 2006 حين أدخلنا الحزب في نفق حرب أظهرت سيطرته على البلد مرورا بعام 2023 حيث كانت النكبة الكبرى في حربه الاسنادية وصولا الى اليوم سنة 2026 حيث الجنوب محتل والبلد بأكمله يدفع الثمن باهظا. وفي ظل كل هذه الكوارث، يتحدث أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم وكأنه يعيش في كوكب آخر، ولم نعد ندرك ان كان ما يقوله يصدر عن شخص يعلم ماذا يجري حوله أو عن شخص لديه حَوَل سياسي وعسكري. هكذا خطاب، يجرنا نحو المزيد من الكوارث. للاسف انجاز التحرير الذي كان يمكن أن يكون أمثولة للدول المحتلة، حوّلناه بسبب الخيارات الغير عقلانية الى ورقة تستفيد منها إيران التي لن تتأثر أو تنزعح من خوض حروبها خارج أرضها، وأكبر دليل ان الجنوب عاد مرة جديدة تحت الاحتلال. والغريب ان ما ينطبق على ايران لا ينطبق على لبنان بمعنى ان ايران تحاور وتتفاوض وتبرم اتفاقيات مع الشيطان الاكبر، مع الجهة التي قتلت مرشدها وأعلى قائد لديها الى جانب العديد من المسؤولين فيما تُخوّن على لسان حزبها الدولة اللبنانية لأنها اتخذت خيار التفاوض مع اسرائيل. هذا يدل على ان الحزب ليس صاحب قضية وليس حرا في قراراته وخياراته واتهاماته. هذا المنطق التخويني فيه الكثير من التبعية على حساب المصلحة الوطنية حتى أصبح بالامكان القول ان الحزب لا يهتم بالتدمير والتهجير والقتل ولا حتى بالمخاطر الوجودية المحدقة انما همه الاساسي إرضاء الايراني.

اللبنانيون اليوم أمام تحدّ صعب، والسلطة الحالية تتحمل مسؤولية كبيرة في انقاذ البلد اذ المسألة لا تتعلق فقط بالضغط الخارجي انما ايضا بالارادة الداخلية ما يستلزم وضع الخطط والمسار المناسب والمواجهة وتثبيت المصلحة الوطنية وعدم الاستسلام لا للضغوط الخارجية ولا للتهديدات الداخلية لأن الاستسلام هو الذي أوصلنا الى ما نحن عليه اليوم وفق ما يقول علي الأمين لموقعنا. نحن امام خطر حقيقي اما ان ننقذ البلد أو يبقى ساحة مستباحة. وبالتالي، على الدولة ان تقتنع انها قادرة على فرض سلطتها لأنها المسؤولة وصاحبة الحق خصوصا ان الرأي العام في الداخل يقف خلفها في قراراتها كما ان الدول العربية والغربية تدعمها في خياراتها نحو تثبيت السلطة على كامل الاراضي اللبنانية. والمواجهة ليست عسكرية انما تبدأ بتطبيق وفرض القانون على الجميع بشكل متساو على سبيل المثال لا الحصر البدء بتنفيذ قرار بيروت منزوعة السلاح. تطبيق القانون لا يقف في وجهه أي طرف حتى حزب الله.

يقرأون الآن