تعد أسباب انقطاع الدورة الشهرية من أكثر الموضوعات التي تثير القلق لدى النساء. خاصة عندما تتأخر الدورة لعدة أسابيع أو تختفي لعدة أشهر دون سبب واضح. فالدورة الشهرية ليست مجرد نزيف شهري. بل هي مؤشر مهم على التوازن الهرموني وصحة الجهاز التناسلي والحالة العامة للجسم.
وفي الواقع، لا يوجد سبب واحد فقط وراء غياب الحيض. بل تتداخل عدة عوامل هرمونية ونفسية وجسدية في التأثير على انتظام الدورة. ويساعد معرفة السبب المحتمل تساعد على التعامل معها بشكل صحيح وتجنب التأخر في التشخيص إذا كان الانقطاع مرتبطاً بمشكلة صحية تستوجب العلاج.
ما المقصود بانقطاع الدورة الشهرية؟
يقصد بانقطاع الدورة الشهرية غياب نزول الحيض لفترة زمنية أطول من المعتاد. ويقسم الأطباء هذه الحالة إلى نوعين رئيسيين. النوع الأول هو الانقطاع الأولي. ويحدث عندما لا تبدأ الدورة الشهرية من الأساس لدى الفتاة حتى عمر معين. أما النوع الثاني فهو الانقطاع الثانوي. ويعني توقف الدورة بعد أن كانت منتظمة أو شبه منتظمة في السابق.
وفي العادة، يعد غياب الدورة لمدة ثلاثة أشهر متتالية أو أكثر لدى امرأة كانت تحيض بانتظام مؤشراً يستحق التقييم الطبي. خصوصاً إذا لم يكن هناك حمل أو رضاعة أو سبب واضح يفسر هذا التوقف.
أسباب انقطاع الدورة الشهرية

أولاً: نمط الحياة والعوامل الجسدية والنفسية
تلعب الحالة النفسية والبدنية دوراً كبيراً في انتظام الدورة الشهرية. لأن الجسم يتعامل مع الإجهاد والتغيرات المفاجئة كإشارات قد تؤثر على التوازن الهرموني.
التوتر والضغط النفسي الشديد
يعد التوتر المزمن من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى توقف الدورة الشهرية أو تأخرها بشكل واضح. فعندما يتعرض الجسم لضغط نفسي شديد. ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول. وهو هرمون التوتر الأساسي. هذا الارتفاع قد يؤثر مباشرة على منطقة تحت المهاد في الدماغ. وهي المنطقة المسؤولة عن تنظيم الهرمونات المحفزة للمبيضين والدورة الشهرية.
وعلاوة على ذلك، فإن التوتر لا يؤثر فقط على موعد الحيض. بل قد يسبب أيضاً تغيرات في شدة النزيف ومدته عند عودة الدورة. ولذلك كثيراً ما ترتبط فترات الضغط النفسي الشديد باضطرابات واضحة في نمط الحيض.
التغيرات المفاجئة في الوزن
قد يخفض فقدان الوزن السريع والقاسي من نسبة الدهون إلى مستوى لا يسمح بإنتاج كميات كافية من هرمون الإستروجين. وهو من أهم الهرمونات المسؤولة عن انتظام الإباضة وبناء بطانة الرحم.
وفي المقابل، قد تؤدي الزيادة الكبيرة في الوزن إلى اضطراب في حساسية الجسم للإنسولين وارتفاع بعض الهرمونات الذكرية. وهو ما ينعكس سلباً على التبويض وانتظام الدورة.
الإفراط في ممارسة الرياضة
تعرف التمارين الرياضية بفوائدها الكبيرة للصحة. إلا أن الإفراط في ممارستها بشكل عنيف ومرهق قد يؤدي إلى انقطاع الدورة الشهرية. خاصة عند الرياضيات أو النساء اللواتي يتبعن برامج تدريب شديدة القسوة مثل الجري لمسافات طويلة أو الباليه الاحترافي أو التمارين المكثفة اليومية دون راحة كافية.
ويحدث ذلك لأن الجسم يدخل في حالة من الضغط البدني المستمر. وكما تنخفض نسبة الدهون في الجسم إلى مستويات تؤثر على إنتاج الهرمونات الجنسية. و
اضطرابات الأكل وسوء التغذية
تعد اضطرابات الأكل من الأسباب الخطيرة لانقطاع الحيض. خصوصاً في حالات فقدان الشهية العصبي أو سوء التغذية الشديد. فعندما لا يحصل الجسم على ما يكفي من السعرات والعناصر الغذائية الأساسية. تتراجع وظائفه الحيوية غير الضرورية للبقاء الفوري. ومن بينها عملية التبويض.
وكما أن نقص الفيتامينات والمعادن والبروتينات قد يضعف إنتاج الهرمونات المسؤولة عن الدورة. وهو ما يجعل غياب الحيض في هذه الحالات مؤشراً مهماً على وجود خلل غذائي يجب التعامل معه بجدية.
ثانياً: الاختلالات الهرمونية والمشكلات الطبية
إذا لم يكن السبب مرتبطاً بنمط الحياة. فقد يكون انقطاع الدورة الشهرية نتيجة اضطراب هرموني أو حالة مرضية تؤثر على عمل المبيضين أو الدماغ أو الغدد الصماء.
متلازمة المبيض متعدد الكيسات
تعد متلازمة المبيض متعدد الكيسات من أكثر الاضطرابات الهرمونية شيوعاً لدى النساء في سن الإنجاب. وهي من أبرز أسباب انقطاع الدورة الشهرية أو عدم انتظامها. وفي هذه الحالة، يحدث خلل في التوازن بين الهرمونات الأنثوية والذكورية. ما يؤدي إلى اضطراب التبويض أو غيابه تماماً في بعض الأشهر.
وعادة لا يقتصر تأثير تكيس المبايض على غياب الحيض فقط. بل قد يترافق مع زيادة الشعر في مناطق غير معتادة وحب الشباب وصعوبة فقدان الوزن وأحياناً مشاكل في الخصوبة.
اضطرابات الغدة الدرقية
تلعب الغدة الدرقية دوراً أساسياً في تنظيم عمليات الأيض والطاقة والهرمونات داخل الجسم. ولذلك فإن قصور الغدة الدرقية أو فرط نشاطها قد ينعكس بشكل مباشر على الدورة الشهرية.
ففي حالة الخمول قد تتباطأ الوظائف الهرمونية وتصبح الدورة متباعدة أو تنقطع تماماً. أما في حالات فرط النشاط. فقد يحدث اضطراب واضح في توقيت الحيض وكميته.
بالإضافة إلى ذلك، قد تترافق اضطرابات الغدة الدرقية مع أعراض أخرى مثل التعب الشديد وتساقط الشعر والخفقان وتغيرات الوزن والشعور المستمر بالبرد أو الحرارة. وهو ما يجعل الانتباه لهذه العلامات أمراً مهماً عند تقييم انقطاع الحيض.
ارتفاع هرمون الحليب
قد يحدث ارتفاع البرولاكتين أو هرمون الحليب بسبب التوتر أو بعض الأدوية أو وجود اضطراب في الغدة النخامية مثل الورم الحميد. وفي بعض الحالات، قد تلاحظ المرأة نزول إفرازات حليبية من الثدي أو صداعاً متكرراً أو تشوشاً في الرؤية. وهي أعراض تستدعي تقييماً طبياً مباشراً.
قصور المبيض المبكر
يقصد بقصور المبيض المبكر توقف المبيضين عن أداء وظيفتهما الطبيعية قبل سن الأربعين. وفي هذه الحالة، ينخفض إنتاج الإستروجين بشكل ملحوظ. وتتراجع قدرة المبيض على إطلاق البويضات بانتظام. ما يؤدي إلى انقطاع الدورة أو تباعدها بشكل كبير.
ورغم أن هذه الحالة ليست شائعة جداً. فإنها من الأسباب المهمة التي يجب التفكير بها. خصوصاً إذا ترافق غياب الدورة مع هبات ساخنة أو تعرق ليلي أو جفاف مهبلي أو صعوبة في الحمل.
الأمراض المزمنة
بعض الأمراض المزمنة قد تؤثر أيضاً على انتظام الحيض. خاصة إذا كانت غير مضبوطة أو تسبب إنهاكاً مستمراً للجسم. ومن أبرز هذه الحالات مرض السكري غير المنضبط وداء السيلياك أو حساسية القمح وبعض الأمراض المناعية أو المزمنة التي تؤثر على امتصاص الغذاء والهرمونات.
وفي هذه الحالات، لا يكون انقطاع الدورة هو المشكلة الوحيدة. بل يكون جزءاً من صورة صحية أوسع تستدعي علاج السبب الأساسي أولاً.
ثالثاً: الأدوية ووسائل منع الحمل

وسائل منع الحمل الهرمونية
حبوب منع الحمل والحقن والزرعات واللولب الهرموني قد تؤدي إلى تقليل سماكة بطانة الرحم. وهو ما قد يجعل الدورة خفيفة جداً أو يوقفها تماماً لدى بعض النساء. وفي كثير من الحالات، يكون هذا التأثير طبيعياً ومتوقعاً مع بعض الوسائل الهرمونية. خاصة عند استخدامها لفترات طويلة.
وكما قد يحتاج الجسم إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر بعد التوقف عن بعض وسائل منع الحمل حتى يستعيد دورته الطبيعية بالكامل. ولذلك لا يكون غياب الحيض بعد الإيقاف مباشرة أمراً مقلقاً دائماً. ولكنه يستحق المتابعة إذا طال أمده.
بعض الأدوية الأخرى
هناك أدوية يمكن أن تؤثر على الهرمونات أو على الإباضة بشكل غير مباشر. مثل بعض مضادات الاكتئاب وأدوية الضغط ومضادات الذهان والعلاجات الكيماوية والإشعاعية للسرطان. وذلك من المهم إخبار الطبيب بكل الأدوية المستخدمة عند تقييم انقطاع الدورة. لأن السبب قد يكون دوائياً وليس مرضياً بحد ذاته.
رابعاً: العيوب التشريحية والمشكلات داخل الرحم
في حالات أقل شيوعاً. قد يكون سبب غياب الدورة مشكلة تشريحية داخل الرحم تمنع نزول دم الحيض رغم وجود بعض النشاط الهرموني.
متلازمة أشرمان
تحدث متلازمة أشرمان عندما تتكون التصاقات أو تندبات داخل الرحم. وغالباً ما تظهر بعد عمليات كحت الرحم أو بعض الجراحات النسائية أو القيصرية المعقدة. تؤدي هذه الالتصاقات إلى منع بطانة الرحم من النمو بشكل طبيعي. وبالتالي قد تقل الدورة كثيراً أو تختفي تماماً.
وفي المقابل، لا يمكن تشخيص هذه الحالة من الأعراض فقط. بل تحتاج عادة إلى فحوصات تصويرية أو تنظير رحمي لتأكيدها ووضع الخطة العلاجية المناسبة.
هل انقطاع الدورة الشهرية خطير دائماً؟
ليس بالضرورة، فهناك حالات يكون فيها انقطاع الدورة الشهرية أمراً طبيعياً تماماً. مثل الحمل والرضاعة الطبيعية وأحياناً في فترة ما قبل انقطاع الطمث.
وكما أن بعض العوامل المؤقتة مثل التوتر الشديد أو فقدان الوزن السريع قد تؤدي إلى توقف الحيض لفترة قصيرة ثم يعود من تلقاء نفسه بعد زوال السبب.
ولكن في المقابل، لا ينبغي تجاهل غياب الدورة إذا استمر لفترة طويلة أو ترافق مع أعراض أخرى. فالدورة الشهرية مرآة لحالة الجسم الهرمونية والإنجابية. وأي اضطراب مستمر فيها يستحق البحث عن أسبابه بدقة.
وفي النهاية، تتعدد أسباب انقطاع الدورة الشهرية بين عوامل بسيطة مثل التوتر والتغيرات الحادة في الوزن والإفراط في الرياضة. ويبقى التشخيص المبكر والمتابعة الطبية هما الخطوة الأهم لحماية صحة المرأة الإنجابية والهرمونية وتحديد العلاج المناسب لكل حالة.
شاهد أيضاً


