مقالات

حمد بن خليفة: مهندس "الاستثنائية" الذي روّض الجغرافيا وترك الإقليم في مخاضه


حمد بن خليفة: مهندس

رئيس التحرير إبراهيم ريحان


في اللحظة التي تنكس فيها الدوحة أعلامها، لا يقتصر المشهد على وداع فيزيائي لجسد فارق الحياة، بل هو وقوف اضطراري أمام نص سياسي استثنائي، شديد الصخب والتعقيد، طبع الشرق الأوسط بملامحه على مدى ثلاثة عقود.


يمثّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إقفالاً لدفتر واحدة من أكثر المغامرات السياسية جرأة في التاريخ العربي الحديث. إنه غياب للرجل الذي رفض بقاء بلاده على هامش الخرائط، فقرر اقتحام المتن، محولاً شبه الجزيرة الصغيرة والمحاصرة بالجغرافيا والتقاليد إلى لاعب يزاحم العواصم التاريخية الكبرى على قيادة مصائر المنطقة.


ولدت "الظاهرة القطرية" مع صعود الشيخ حمد إلى سدة السلطة في منتصف تسعينيات القرن الماضي. أدرك الرجل مبكراً، بعين الطموح الذي لا تحده مساحة، أن النظام الدولي الجديد الذي تلا الحرب الباردة لم يعد يعترف بالثقل الديموغرافي وحده. كانت لديه وصفة مغايرة: تسييل الثروة الهائلة للغاز الطبيعي المسال، وتحويلها إلى رافعة لنفوذ دبلوماسي وإعلامي عابر للقارات. من هنا، بدأت عملية تفكيك حاسمة لنمط "الدولة-المشيخة" التقليدية، لتولد مكانها دولة ديناميكية، مستندة إلى "السيادة المتفلتة" من قيود الجوار وسلاسل التوازنات الخليجية السابقة.


في تشريح هذه التجربة، تبدو البراغماتية الهجومية هي المحرك الأساس لسياسات الشيخ حمد. لم يكن من هواة الحجرات الدافئة أو الدبلوماسية الخجولة، بل كان يفضل العيش في قلب العواصم العاصفة والمناورة بين المتناقضات في مشهد أشبه بـ "مقامرة محسوبة". بنى في بلاده أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة "العديد"، وفي الوقت عينه، فتح النوافذ الساخنة للحوار مع "محور الممانعة" من طهران إلى دمشق، واستضاف قادة حركات الإسلام السياسي وحركة طالبان. كان يرى في التناقضات مساحة للحركة، وفي الخلافات الإقليمية فرصاً للوساطة المقترنة بالنقود والنفوذ، وهو ما جعل من الدوحة "مطبخاً للقرار الدولي" وممراً إلزامياً لملفات شائكة تمتد من كابل إلى بيروت، ومن غزة إلى دارفور.


بيد أن هذه الاستثنائية القطرية لم تخلُ من مفارقات بنيوية عميقة تثير الانقسام في قراءتها. إذ قاد الشيخ حمد في الداخل ورشة تحديث مذهلة، اتسمت بالانفتاح الاقتصادي، وبناء الصروح التعليمية ذات الطابع الغربي، والاستثمار في كبرى الشركات العالمية. لكن في المقابل، تبنت سياسته الخارجية، عبر الذراع الإعلامية الضاربة التي أسسها "قناة الجزيرة"، رعاية وصياغة خطاب واحتضان حركات أيديولوجية موغلة في المحافظة والتقليدية، خصوصاً مع اندلاع أحداث "الربيع العربي". كان هذا التوليف بين ليبرالية نمط العيش الاقتصادي ومؤسسات العولمة، وبين تبني الإسلام السياسي في الإقليم، تعبيراً عن رغبة واعية في خلخلة النفوذ الإقليمي القديم لصالح نفوذ قطري مرن وأكثر قدرة على التكيف مع الشارع العربي الثائر.


هذه المفارقة هي التي تجعل إرث الراحل موضع قراءتين متصادمتين في الوعي العربي: قراءة تراه باني النهضة الحديثة وصانع المعجزة التنموية والدبلوماسية التي حمت بلاده ومنحتها مكانة دولية؛ وقراءة أخرى، تراه مفجراً للتناقضات الأيديولوجية في المنطقة ومساهماً في صعود استقطابات هوياتية لا تزال شعوب المنطقة تدفع أثمانها حتى اليوم.


لكن، وفي ذروة هذا الصخب الإقليمي عام 2013، قدم الشيخ حمد فصلاً أخيراً غير مألوف في أدبيات السلطة العربية. فاجأ العالم بالتنازل طواعية عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد. كان هذا الانسحاب الذكي والمبكر خطوة استباقية لضمان استقرار البنيان الذي شيده، والانتقال بقطر من مرحلة "التأسيس العاصف والمغامر" إلى مرحلة "المأسسة والتحصين".


انكفأ الرجل إلى موقع "الأمير الوالد"، مراقباً المشهد من بعيد، تاركاً القيادة الشابة تدير إرثاً هائلاً ومحفوفاً بالمتغيرات.


يرحل الشيخ حمد بن خليفة اليوم، والمنطقة تعيش مخاضاً جديداً يعيد رسم التوازنات الإقليمية والدولية. غاب الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لسنوات طويلة، وصاحب الكاريزما التي لم تعرف الحياد يوماً. غادر تاركاً وراءه بلداً صغيراً في مساحته، لكنه راسخ كقوة فاعلة في نادي الكبار، وصيغة سياسية ستبقى تدرّس في كيفية تحويل الموارد الذكية إلى نفوذ دولي، لتظل "البصمة" التي طبعها على أحداث العقود الثلاثة الماضية عصية على النسيان أو التجاوز.

يقرأون الآن