التاريخ لا ينام، بل إنَّ عينيه دعجاوان ترصدان وتسجّلان، وفيه عبر لمن أرادَ أن يعتبر. ومع حلول عيد الفطر المبارك بداية هذا الأسبوع، طغى على الذاكرة مشهدُ المعتمد بن عباد، آخر ملوكِ الطوائف في الأندلس، حين نُفي عن ملكه وأهله، ووقفَ يرثي مجدَه الضائع:
فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسروراً
وكان عيدُك باللذاتِ معموراً
وكنتَ تحسب أنَّ العيد مسعدةٌ
فعدتَ فيه كئيبَ النفسِ مكسوراً
هذه الأبيات التي نظمها من منفاه في السجن لم تكن مجردَ رثاءٍ لحاله، بل تكاد تكون مرآةً لحال أوطان تتآكل مجدداً، وتفقد سيادتها، وتستقبل الأعياد بالكآبة لا بالفرح.
مرّ العيدُ هذا العام على شعوب عربية، لا كفرحة روحية، بل كجرسٍ يوقظ الأحزان، مر على السوريين بعد مرحلة الأسد في دولة ما زالت تزيل آثار الدمار والتشرد والمدن التي تئن تحت ذكريات المعتقلات والبراميل المتفجرة، ومعها بارقةُ أمل لمستقبل أفضل، بينما كانت غزةُ تستقبل العيدَ بالتكبيرات بين أنقاض البيوت، وعلى أطلال الأسر التي حصدتها آلة الحرب، وفي السودان ما زالت الحرب الأهلية توقد النيرانَ في المدن، والنازحون استقبلوا العيد في الخيام، وفي اليمن وليبيا، تستمر المعاناة بلا انقطاع، وتمرُّ الأعياد وسط حرب، وانقسام مستمر، وغياب المستقبل، وفي العراق خلافاتٌ مستمرة حتى في فرحة العيد.
وسط هذه الأيام يبرز سؤال: لماذا ضاعت فرحة العيد في بعض الدول؟
الإجابات تكاد تتفق على أنَّه لا فرحة ولا تنمية ولا استقرار من دون أمنٍ، وغيابُ الأمن هو نتيجة غياب الدولة، وما من دولة انهارت مؤسساتها إلا وكانت البداية تفريطاً في السيادة، وتساهلاً مع التدخلات الخارجية.
التدخلات الخارجية تأتي تارة تحت شعار (المساعدة)، وتارة أخرى باسم (التوازن)، فتتحوَّل هذه القوى إلى شريك في القرار، ثم متحكم في المصير.
السيادة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل هي أساس بقاء الدولة، ومصدر قوتِها، وهي تعني القدرةَ على اتخاذ القرار بحرية، من دون وصاية خارجية، لبناء مشروع وطني نابعٍ من إرادة الشعب لا من مصالح الآخرين، وهذا ما نبَّه له ابن خلدون في مقدمته حينما قال إنَّ «الملك إذا دخلت عليه الغلبة من خارج ذاته، خرج عن حقيقته» العيد الحقيقي يبدأ باستعادة القرار، والعيد ليس مجردَ طقوسٍ دينية، أو مظاهر احتفالية، بل هو تعبيرٌ عن الشعور بالأمن، والأمان، والسيادة، فلا معنى للعيد إن غاب الأمان.
العيد الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الأوطان سيادتها الكاملة، وتسترجع الشعوبُ قرارها، ويُبنى الإنسانُ قبل الحجر، أما من دون ذلك، فستمر الأعيادُ كما مرّت على المعتمد بن عباد... ذكرى ألم، وحنينٌ لمجدٍ لم يعد. صحيح مرَّ العيد على تلك الشعوب المنكوبة ولكنَّ ناسها لم ينالوا المسرة مثلما قال إيليا أبو ماضي:
أقبل العيد ولكنْ
ليس في الناسِ المسرَّهْ
الشرق الأوسط