في يوم الرابع عشر من شهر مارس المنصرم، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بحل "صوت أميركا" (VOA)، وذلك بحجة أنه، وعلى مدى سنوات، كان يبث أخباراً راديكالية عن الولايات المتحدة إلى عشرات الدول الأجنبية التي لديها إمكانية الوصول إلى برامجه. وقد بدأ "صوت أميركا" العمل في عام 1942، ومنذ ذلك الحين، قام ببث الأخبار إلى البلدان التي تفرض رقابة على التغطية الإعلامية المحلية من قبل وسائل إعلامها الخاصة. وعلى مدى سنوات، كان "صوت أميركا"، إلى جانب وسائل إعلام غربية أخرى مثل "بي بي سي"، أحد أهم مصادر المعلومات حول العالم وعن تلك البلدان نفسها، خاصة لمواطني الاتحاد السوفييتي السابق، والدول الشيوعية في شرق أوروبا، والصين وكوريا الشمالية.
لكن لن تكون هذه الخدمات الإعلامية متاحة بعد الآن، وكما هو الحال مع التخلي عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، تُعد هذه الخطوة مثالاً على مدى التغير الحاصل في سياسة الولايات المتحدة، ولو خطوة بخطوة، لا سيما على صعيد قوتها الناعمة وتأثيرها في العالم. وليس من المستغرب أن تلقى قرارات من قبيل إلغاء "صوت أميركا" ترحيباً كبيراً لدى كل منافسي الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى قرارات "فك الارتباط" أحادية الجانب هذه، والتي من شأنها تقليل البصمة الأميركية في الخارج، قرر الرئيس ترامب تقليص المؤسسات البحثية الأميركية، وذلك لاعتقاده بأنها هي أيضاً تركّز على الدعاية الراديكالية. وقد أثارت جهوده وقراراته في هذا المضمار ردود فعل غاضبة.
ففي يوم 31 مارس المنصرم، وقّع أكثر من 1900 عالم أميركي على رسالة نشرتها الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب بغية إيصال "نداء استغاثة" بشأن قرارات الرئيس ترامب حول تقليص حجم ونطاق المؤسسات العلمية الأميركية.
وقد جاء في الرسالة ما يلي: "على مدى أكثر من 80 عاماً، ساهمت الاستثمارات الحكيمة للحكومة الأميركية في بناء قطاع البحث العلمي في البلاد، مما جعله موضع حسد للعالم. ومن المذهل أن إدارة ترامب تزعزع استقرار هذا القطاع من خلال تقليص تمويل الأبحاث، وطرد آلاف العلماء، وإلغاء الوصول العام إلى البيانات العلمية، والضغط على الباحثين لتغيير أعمالهم أو التخلي عنها لأسباب أيديولوجية".
وعلى الرغم من أن الموقِّعين على الرسالة يأتون من خلفيات سياسية متنوعة، فإنهم متحدون في موقفهم: "نحن نرسل هذا النداء من أجل إطلاق تحذير واضح وصريح: يتم تدمير المؤسسات العلمية في البلاد". وتشير الرسالة إلى أن إدارة ترامب "تمنع الأبحاث في المواضيع التي تجدها غير مقبولة، مثل التغير المناخي، أو تلك التي تقدم نتائج لا تروق لها في موضوعات مثل سلامة اللقاحات والاتجاهات الاقتصادية".
وربما يكون من شأن هذه التوجيهات أن تؤدي إلى تقويض التفوق العلمي الأميركي، وتقليص حافز الطلاب الأجانب للدراسة في الولايات المتحدة والانضمام إلى مؤسساتها الرائدة عالمياً في مجال البحث والتطوير. لقد ساهمت هذه المؤسسات في تحقيق إنجازات علمية وهندسية عظيمة طوال مئة عام الماضية، والتي شاركها العالم كجزء من مساهمة أميركا في التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي.
لقد أصبح نهج الرئيس ترامب في "إصلاح" المؤسسات الأميركية، عن طريق إغلاقها أو حرمانها من التمويل الفيدرالي، من أكثر القضايا المثيرة للجدل في النقاش العام حول الأيام الأولى للإدارة الجديدة. ومع ذلك، فإن التأثير المباشر لهذه الإجراءات سيظهر بوضوح أكبر لأولئك الذين يعيشون خارج الولايات المتحدة. أما المواطنون الأميركيون الذين لن يتأثروا بشكل مباشر بالتخفيضات التي تطال الجامعات والمراكز البحثية، فسيكونون أكثر قلقاً بشأن تأثير مقترحات ترامب الراديكالية لفرض تعريفات جمركية أعلى على الدول الأجنبية.
ويعتقد معظم الاقتصاديين أن النتيجة المباشرة ستكون ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين الأميركيين. وإذا بدا أن الاقتصاد الأميركي يتجه نحو الركود، فإن المعارضة لترامب ستزداد وقد تؤدي في النهاية إلى تحديات لحكمه حتى من داخل الحزب الجمهوري نفسه. وعندها فقط قد يضطر ترامب إلى إعادة النظر في أكثر خططه إثارةً للجدل والخلاف، داخل الولايات المتحدة وخارجها.
الاتحاد