لا شك أن الحدث القضائي الأبرز في لبنان لهذا العام كان القرار الذي أشعل الساحة القانونية والسياسية على حد سواء، حين قرأت الأوساط القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية والقاضي بإخلاء سبيل حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، مقابل كفالة مالية اعتُبرت "الأسطورية" في تاريخ لبنان: 20 مليون دولار أميركي وخمسة مليارات ليرة لبنانية.
قرار وُصف بأنه الأغلى في ذاكرة القضاء اللبناني، وأثار عاصفة من الجدل القانوني والسياسي وحتى الشعبي.
القرار أتى بعد توقيف سلامة في أيلول 2024، بتهم تتعلق بـ"اختلاس أموال عامة" و"تزوير"، ضمن ملف شائك بقي مفتوحاً لأكثر من ثلاث سنوات، وامتد ليشمل تحقيقات محلية وأوروبية تشتبه بأنه راكم ثروات عقارية ومصرفية بطرق غير قانونية.
غير أن إخلاء السبيل لم يكن خطوة نهائية، بل عُلّق على شرط وحيد: دفع الكفالة، التي وصفتها بعض الأصوات بأنها "باهظة وغير قانونية"، ما فتح الباب أمام المزيد من الأسئلة حول خلفيات القرار وأبعاده.
قرار متأخر... ومهلة كادت تنتهي
يؤكد مصدر رفيع مطلع على الملف لـ "وردنا"، أن قرار الإفراج عن سلامة جاء متأخرًا بما لا يقل عن خمسة إلى ستة أشهر، لأن توقيفه كان "احتياطيًا"، وقد تجاوزت مدة التوقيف الحد الذي يجيزه القانون.
ويشير إلى أن التمديد لتوقيفه احتاج إلى قرار مُعلّل، لكن التبريرات التي قدّمتها الهيئة الاتهامية وصفها المصدر بأنّها "مضحكة"، وقد تعرّضت الهيئة لضغوط مباشرة، لا سيما من رئيس مجلس القضاء الأعلى، لإبقاء سلامة موقوفًا لأطول مدة ممكنة.
المصدر كشف أن الهيئة كانت مضطرة لإخلاء سبيل سلامة في 3 أيلول المقبل على أبعد تقدير، لأن المهلة القانونية كانت ستنتهي، ووقتها، كانت الكفالة ستكون رمزية جدًا. أما الآن، وبحسب رأيه، فالقرار جاء "ملغّمًا"، وتم وضع كفالة "خيالية" لتأخير أو تعقيد الإفراج.
يشير كذلك إلى أن المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية كانت ستفرض إخلاء السبيل في الشهر المقبل، لكن من خلال كفالة بسيطة، واصفًا ما حدث بأنه "مخالف للقانون" ومبني على اعتبارات غير قانونية.
"لا خطر منه ولا خوف من فراره"
المصدر ذاته يعود للتأكيد أن توقيف سلامة احتياطياً لم يكن مبرّرًا، لأنه لا يشكّل خطرًا على المجتمع، كما لا توجد إمكانية لفراره، بسبب سحب جواز سفره، ولا وجود فعلي لأي مذكرات توقيف خارجية سارية بحقه. حتى المذكرة التي كانت صادرة عن القاضي رولا صفير تم إلغاؤها لاحقًا، مما يعني أن سلامة لم يعد ملاحقًا بأي مذكرة توقيف نافذة.
ويضيف أن الملف الذي كانت تُلاحقه فيه القاضية صفير بُني على حادثة "غير منطقية"، وهي رفض أحد المصارف تسديد أموال أحد المودعين، معتبرًا أن ما جرى هو عملية تصفية حسابات، لا أكثر.
رياض سلامة... كبش محرقة؟
"كبش محرقة"، هكذا وصف المصدر حال سلامة، الذي تم توقيفه بمفرده، دون أي مساءلة لمدراء عامين أو مسؤولين من وزارة المالية، رغم حجم القضايا المالية المعقّدة.
وأشار إلى أن سلامة ليس مُدّعى عليه في فرنسا، وأن مطاردته جاءت في إطار "انتقام سياسي"، محمّلًا القاضية غادة عون مسؤولية الاستهداف، بدافع سياسي واضح.
وبرأيه، فإن المدعي العام التمييزي السابق، القاضي غسان عويدات، لم يتحرّك في الملف إلا تحت ضغط سياسي هائل، ما يؤكد، بحسب وصفه، أن القضية كلها تم تحريكها لمآرب سياسية أكثر منها قضائية.
وفي تفاصيل التهم، أوضح أن الملف يتعلق بـ66 مليار ليرة، تم إنفاقها على حساب الاستشارات الخاص بمصرف لبنان، وهو حساب ممّول من المصارف وليس من المال العام، معتبرًا أن كل ما جرى كان "فبركة" لإسقاط سلامة.
ويكرر أن توقيفه لم يكن يجب أن يحصل، لأن اسمه موجود لدى "الإنتربول"، ما يجعل من المستحيل عليه الهروب، إضافة إلى أنه لا يشكّل أي خطر على السلامة العامة أو حياة الناس.
التحقيق ناقص؟
من جهة أخرى، يشير المصدر إلى أن الهيئة الاتهامية برئاسة القاضي نسيب إيليا، اعتبرت أن التحقيقات لم تكتمل بالشكل الكافي، وأن ملاحقة حركة الأموال بشكل شامل لم تحصل، رغم أن هذا أحد أعمدة التحقيقات المالية الكبرى.
سلامة خضع فقط لجلستي استجواب، مدة لا تتجاوز الـ 40 دقيقة، وهو ما يُعد، بحسب المصدر، قصورًا واضحًا في التحقيق.
ويضيف أن تتبّع الحسابات المالية لم يتم بالشكل اللازم قبل استجوابه، وهذا كان سببًا جوهريًا في رفض طلب الإخلاء في وقت سابق.
الكفالة إلى تخفيض؟
بحسب المصدر، فإن الكفالة المفروضة سيتم تخفيضها حتمًا لاحقًا، واصفًا إياها بـ"المهزلة القانونية"، مؤكدًا أن لا سبب وجيه لفرض مبلغ بهذا الحجم. وأعاد التذكير بأن الإجراءات التي نُفذت حتى الآن لم تُظهر أي دليل واضح على أن سلامة سرق أموال المودعين، بل أن الدولار ما زال مثبتًا على سعر الصرف القديم، وتعليماته ما زالت تُنفّذ في المصارف، و"منصة صيرفة" لا تزال تعمل، كما أن سحب اللبنانيين لأموالهم من البنوك يتم وفق تعاميم أصدرها هو.
رأي قانوني... لا تبرئة ولا إدانة
في المقابل، يوضح المحامي جاد طعمة لـ "وردنا"، أن دفع سلامة للكفالة لا يفتح بابًا على سؤال "من أين لك هذا"، إلا إذا أراد القضاء فتح تحقيق جديد منفصل في هذا الإطار.
كما يشير إلى أن سلامة يملك عقارات وتعويضات وربما موارد أخرى تمكنه من تأمين هذا المبلغ دون خرق قانوني.
ويضيف طعمة أن إخلاء السبيل لا يعني إطلاقًا تبرئة، بل هو إجراء قانوني روتيني للموقوفين احتياطيًا، ويُفترض أن لا يُستخدم للانتقام أو التصعيد السياسي. بل على العكس، فإن المنطق القانوني يفترض أن يُحاكم الإنسان أولاً، قبل أن يُدان أو يُكافأ.
طعمة أيضًا ينتقد تأخر المحاكمة، ويرى أن الوقت الطويل الذي استغرقه التحقيق كان يمكن استغلاله للتوصل إلى حكم قضائي قبل الوصول إلى مرحلة طلب إخلاء السبيل.
ويكشف أن سلامة لا يزال موقوفًا في ملفات أخرى، ويتوجب عليه أن يطلب تخلية السبيل منها أيضًا، على أن يقرّر القضاء قيمة الكفالات المرتبطة بها.
أما بخصوص حجز ممتلكاته، فيوضح طعمة أن الحجز احتياطي ولا يعني البيع أو المصادرة بعد.
ويختم طعمة بالإشارة إلى احتمال أن يقوم "أعضاء النادي السياسي اللبناني" الذين استفادوا من سلامة سابقًا، بتمويل الكفالة إذا تعثّر ماليًا، مشيرًا إلى ما يُقال عن امتلاك سلامة لـ"USB" يتضمّن معلومات حساسة قد تفضح المتورطين من أهل السلطة، ولم يتم تسريبها حتى الآن.
ما بعد القرار... هل تنقلب الطاولة؟
هكذا تبقى قضية رياض سلامة حديث الشارع اللبناني، وكل الأوساط السياسية والقضائية. فهل نشهد في الأيام المقبلة مفاجأة مدوية تفجّر المستور وتكشف ما لم يكن في الحسبان؟ أم تُدفع الكفالة بصمت، ويخرج سلامة إلى الحرية بهدوء، تاركًا وراءه واحدة من أكثر القضايا التباسًا في تاريخ القضاء اللبناني؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة..