لطالما ظل تهريب النفط الإيراني والروسي تجارة مربحة إلى حد يفوق المخاطر. فعلى الرغم من القيود والعقوبات الأميركية والأوروبية، واصل السوق السوداء ضخ ما يقارب مليار دولار يومياً، وسط شهية مفتوحة للشراء. لكن للمرة الأولى، تظهر تشققات واضحة في هذه المنظومة التي عملت لسنوات في الظل. فملايين البراميل من الخام الإيراني والروسي باتت بلا مشتر، وتتكدس اليوم في المخازن وعلى متن الناقلات.
لا يقتصر السبب على العقوبات الأميركية والأوروبية والضغوط السياسية فحسب، وإن كان لها دور في ذلك. لكن العامل الأساسي أبسط من ذلك، حيث أصبح مشترو النفط الخام الخاضع للعقوبات لديهم وفرة من البراميل البديلة المتاحة في السوق الرسمية وبأسعار معقولة، وبات الالتزام بالقواعد أقل تكلفة، وفقاً لما ذكرته "بلومبرغ"، واطلعت عليه "العربية Business".
خلال الشهرين الماضيين، بدأت الدول التي اشتهرت بشراء النفط الخاضع للعقوبات - خصوصاً الهند وتركيا - بالتحول بسلاسة نحو خام غير خاضع للقيود، ما أدى إلى تراكم المعروض غير المباع خارج نطاق مؤشرات الأسعار الرئيسية مثل برنت وغرب تكساس ودبي.
هذا التحول، بحسب خافيير بلاس كاتب عمود في "بلومبرغ"، جعل السوق الرسمية أكثر تماسكاً، وساهم في رفع الأسعار بنحو 10% خلال شهرين، خصوصاً مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. ومع بقاء سعر خام غرب تكساس قرب 63 دولاراً للبرميل، لم يعد مغرياً بما يكفي للمجازفة بشراء الخام "المشبوه".
يصعب تحديد الحجم الدقيق لفائض السوق السوداء. لكنني أرجح أن المخزون، الموزع بين خزانات برية وناقلات نفط بحرية تحولت إلى مرافق تخزين عائمة مؤقتة، يتجاوز 100 مليون برميل. وبالأسعار الحالية، حتى مع الأخذ في الاعتبار الخصومات التي يقدمها التجار على النفط الخام الخاضع للعقوبات، تبلغ قيمته 5 مليارات دولار على الأقل. تُقدر شركة "كيبلر" المتخصصة في معلومات السلع الأساسية، كمية النفط الخام الروسي والإيراني المخزن في مستودعات عائمة وحدها بنحو 58 مليون برميل، بعد أن كانت 6 ملايين برميل في أوائل العام الماضي.
تعد الهند تقليدياً ثاني أكبر مستورد للنفط الخاضع للعقوبات بعد الصين. في ذروة استيرادها، اشترت نيودلهي أكثر من مليوني برميل من النفط الخام من السوق السوداء، أولاً من إيران، ثم من روسيا. وتحت ضغط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أوقفت استيراد النفط الإيراني عام 2019، وخفضت الآن مشترياتها من النفط الخام الروسي.
التوقعات تشير إلى أن مشتريات نيودلهي قد تهبط إلى 800 – 900 ألف برميل يومياً خلال فبراير ومارس، أي أقل من نصف ذروة وارداتها.
ومع ذلك، استطاعت الهند تعويض الانخفاض بسهولة عبر تنويع مصادرها، من الشرق الأوسط إلى غرب إفريقيا، وصولاً إلى البرازيل والأرجنتين والولايات المتحدة.
ويقول مسؤولون في مصافي التكرير إن عملية تأمين الإمدادات البديلة كانت "أسهل بكثير مما توقعوا"، رغم ارتفاع التكلفة مقارنة بالنفط الخاضع للعقوبات.
عودة النفط الفنزويلي إلى السوق النظامية
وفي مفاجأة دعمت السوق الرسمية، لم يعد النفط الفنزويلي ضمن العقوبات، ما حرر نحو 800 ألف برميل يومياً من الخام ليعود إلى القنوات القانونية، وسارعت الهند لاستيراد جزء منه بالفعل.
حتى الآن، تمكّنت طهران وموسكو من مواصلة الإنتاج رغم عدم بيع جزء من الإمدادات، وذلك بفضل التوسع في التخزين العائم. لكن هذا الخيار له حدود واضحة، وفي حال لم تظهر أسواق جديدة، فستضطر الدولتان عاجلاً أو آجلاً إلى خفض الإنتاج—ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات سياسية مع واشنطن لتخفيف العقوبات، وهو احتمال ما يزال بعيداً.
تبقى الصين العامل الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة. فهي تشتري بالفعل 95% من صادرات إيران النفطية، وما يقرب من 60% من الصادرات الروسية. ومن دونها، لن يكون للسوق السوداء وجود فعلي.
خلال الشهر الماضي، رفعت المصافي الصينية مشترياتها من الخام الروسي إلى مستويات تقترب من الأرقام القياسية لتعويض نقص وارداتها من فنزويلا.
وفي حال قررت بكين شراء كميات أكبر، فإنها قد تمتص الفائض الحالي وتواصل دعم اقتصادات موسكو وطهران. أما إذا امتنعت، فستُضطر الدولتان إلى تقليص إنتاجهما، ما سيشعل الأسعار عالمياً.
وبالمقابل، إذا توسعت الصين في شراء الخام غير المشروع وخفّضت وارداتها القانونية، فقد تتراجع الأسعار نتيجة وفرة الإمدادات النظامية المتبقية في السوق.
وفي كل السيناريوهات، يبدو أن الصين تمسك اليوم بخيوط اللعبة في سوق النفط العالمي، وتملك القدرة على إعادة رسم المشهد بالكامل.


