يمكن مقاربة ما إن كانت الليرة اللبنانية اليوم مقيّمة بأقل من قيمتها الحقيقية (Undervalued) بطريقة علمية باستخدام أدوات قياس معترف بها دولياً في أدبيات الاقتصاد الكلي. وعلى رأس هذه الأدوات يأتي مفهوم سعر الصرف الفعّال الحقيقي (Real Effective Exchange Rate – REER)، الذي يقيس قوة العملة مقارنة بسلّة من العملات الأجنبية، مع الأخذ في الاعتبار الأسعار المحلية والتغيرات في القدرة الشرائية. وللحصول على صورة دقيقة عن القيمة الحقيقية للعملة، يقارن الاقتصاديون السعر الفعلي للعملة (Actual REER) بالسعر التوازني (Equilibrium REER) المستمد من الأساسيات الاقتصادية (Economic fundamentals).
وهذه المنهجية هي نفسها التي يعتمدها صندوق النقد الدولي عند تقييم أوضاع الدول التي تواجه أزمات نقدية ومالية عميقة، حيث لا يعكس السعر الاسمي للعملة (Nominal rate) وحده القوة الاقتصادية، بل مدى انسجامه مع المتغيرات الحقيقية مثل الإنتاجية وصافي الأصول الأجنبية والتحويلات المالية من الخارج.
ومن التجارب الدولية التي أعقبت أزمات مصرفية ونقدية حادة، يتضح أن سعر الصرف بعد الأزمة لا يتوقف عند المستوى الذي تبرره الأساسيات الاقتصادية، بل ينحدر إلى مستوى أقل بكثير نتيجة فقدان الثقة، والذعر في الأسواق المالية، وانهيار القنوات المالية الطبيعية التي تربط بين الاقتصاد وسعر العملة. هذه الظاهرة معروفة في الأدبيات الاقتصادية باسم Overshooting، أي تجاوز السعر لمستوى التوازن الطبيعي، بحيث يصبح السعر الفعلي للعملة أدنى من القيمة التوازنية. وقد وثّقت الدراسات الصادرة عن صندوق النقد هذه الظاهرة في دول مثل الأرجنتين وتركيا بعد 2001، وإندونيسيا بعد 1998، ومصر بعد التعويم في 2016، حيث أظهرت القياسات اللاحقة أن العملات في تلك الدول أصبحت مقيّمة بأقل من قيمتها التوازنية بنسب كبيرة (بين 30-60%) قبل أن تبدأ بالتعافي التدريجي مع استعادة الاستقرار النقدي والمصرفي.
ونشير إلى أن احتساب Equilibrium REER يتم باستخدام متغيرات أساسية تشمل صافي الأصول الأجنبية، وشروط التبادل التجاري (Terms of trade)، والفروق في الإنتاجية (Productivity differential)، ودرجة الانفتاح التجاري، وحجم التحويلات من الخارج، وأحياناً حجم الإنفاق الحكومي، إذ تُعدّ هذه العناصر المحددات الرئيسية لقدرة العملة على الحفاظ على قيمتها مقابل العملات الأجنبية. وعندما يكون السعر الفعلي للعملة أقل من السعر الذي تعكسه هذه المتغيرات، فإنها تُصنف على أنها Undervalued، ما يعكس مرحلة تصحيح حاد (Severe Adjustment Phase).
وتوضح الحالة اللبنانية اليوم هذا المفهوم بوضوح. فبرأينا، إن سعر السوق الفعلي لليرة اللبنانية في السوق الموازية لا يعكس حركة التجارة الخارجية، أو الإنتاجية، أو التحويلات من المغتربين، بل يتحدد أساساً من خلال الطلب النقدي المحلي في ظل الازمة المصرفية، وتعدد أسعار الصرف سابقاً، وغياب أي آلية سوقية طبيعية تربط العُملة بالأداء الحقيقي للاقتصاد. فالسوق النقدي الحالي يعكس "تسعير الذعر" (Panic pricing)، لا قيمة العملة وفق الأساسيات الاقتصادية. وفي هذا السياق، أصبحت الليرة اللبنانية مثالاً كلاسيكياً على حالة Overshooting، حيث أدى الانهيار النقدي إلى انحراف حاد بين السعر الفعلي والقيمة التوازنية.
ومن أبرز المؤشرات التي تدعم هذا التحليل في لبنان وضعية ميزان المدفوعات والتحويلات من الخارج. فالتجارب الدولية أظهرت أنه عندما تصبح العملة مقيّمة بأقل من قيمتها، ترتفع التحويلات من المغتربين ويتحسن الحساب الجاري نسبياً، وتزداد القدرة التنافسية للصادرات، كما يُلاحظ تحسن في النشاط السياحي والاستهلاكي بالدولار. هذه الظواهر تَظهر بوضوح في لبنان اليوم، حيث تتدفق التحويلات إلى الداخل بمستويات قياسية، ويستمر الإنفاق السياحي والاستهلاكي بالدولار بوتيرة مرتفعة، ما يشير إلى أن القوة الشرائية للعملة الأجنبية أعلى من المتوقع مقارنة بالسعر الاسمي لليرة. تُعد هذه المؤشرات إشارات على أن العملة أصبحت Undervalued مقارنة بالقيمة التوازنية.
وإذ كانت الليرة قبل منتصف 2019 Overvalued بسبب سياسة تثبيت سعر الصرف (لم يكن السعر الاسمي يعكس أساسيات الاقتصاد وميزان المدفوعات)، فبعد الصدمة الاقتصادية والنقدية، لم تنتقل الليرة من حالة المبالغة في التقييم إلى التوازن، بل تجاوزت ذلك إلى حالة Undervaluation حاد، وهو نمط معروف في أزمات سعر الصرف. مع الإشارة إلى أن القول بأن الليرة اللبنانية اليوم قد تكون مقيّمة بأقل من قيمتها الحقيقية لا يعني أن الاقتصاد اللبناني في وضع ممتاز أو أن العملة قوية، بل يعني أن سعر الصرف الحالي لا يعكس القيمة التوازنية.
منافع إعادة النظر في سعر الصرف
يمكن لإعادة تقييم سعر الصرف لليرة اللبنانية وفق القيم التوازنية الحقيقية أن يحقق عدداً من المنافع الهامة على صعيد الاقتصاد والموازنة. أولاً، يؤدي تقليل الفجوة بين السعر الفعلي والقيمة التوازنية إلى خفض الضغوط التضخمية الناتجة عن الانحراف الكبير في أسعار السلع المستوردة، ويزيد القدرة الشرائية للمواطنين دون تكبيد موازنة الحكومة أعباءً إضافية. ثانياً، تعزز إعادة النظر في سعر الصرف الثقة بالعملة الوطنية، ما قد يحفّز تحريك الإقراض المحلي بالليرة. ثالثاً، تصبح التدفقات النقدية من المغتربين والتحويلات الخارجية أكثر فعالية، حيث تعكس قيمتها الحقيقية قدرة المواطنين على إنفاقها واستثمارها محلياً، ما يعزز النشاط الاقتصادي الكليّ.
في المقابل، إن الإبقاء على سعر الصرف الحالي دون إعادة تقييم يؤدي إلى مجموعة من التداعايات على الاقتصاد الوطني. أولاً، يفاقم استمرار الـUndervaluation انعدام الثقة بالليرة ويزيد من الدولرة ويضعف "السيادة النقدية" لمصرف لبنان وقدرته على إدارة السياسة النقدية. ثانياً، إن عدم إعادة النظر في سعر الصرف يؤدي إلى استمرار ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، حيث ترتفع أسعار السلع والخدمات الأساسية بوتيرة أسرع من الدخل الفعلي، ما يزيد من تكلفة المعيشة ويضغط على الأسر اللبنانية. ويتسبب هذا الوضع أيضاً بتفاقم الفجوة الاجتماعية وعدم المساواة، إذ تتأثر الشرائح الأقل دخلاً بشدة أكبر، بينما تحافظ القطاعات القادرة على الحصول على الدولار على مستواها المعيشي. في النهاية، يؤدي استمرار هذه السياسة إلى زيادة الاحتقان الشعبي.
خلاصة
استناداً إلى منهجيات تقييم سعر الصرف التوازني المعتمدة دولياً، والتشابه الكبير بين خصائص الأزمة اللبنانية والتجارب الدولية السابقة، والمؤشرات الفعلية المرتبطة بالتحويلات والحساب الجاري والنشاط الاستهلاكي، يمكن بناء حجة قوية أن سعر السوق الحالي لليرة اللبنانية لا يعكس القيمة التوازنية لها، بل يعكس مرحلة Overshooting ناتجة عن الانهيار المالي والنقدي. لذلك، من الضروري إعادة النظر في سعر الصرف الحالي لليرة ضمن إطار إصلاحي يأخذ في الاعتبار الأساسيات الاقتصادية الحقيقية. والهدف من هذا الإجراء هو تصحيح الانحرافات الحادة بين سعر السوق والسعر التوازني، بما يعزز الثقة بالعملة الوطنية ويقلل الضغوط التضخمية، ويتيح للأسواق أداء دورها الطبيعي في تحديد السعر وفقاً للأساسيات الاقتصادية. ويجب أن تصاحبه سياسة نقدية واضحة وداعمة للاستقرار المالي والمصرفي. إن إعادة النظر في سعر الصرف ليست مجرد إجراء حسابي، بل خطوة أساسية نحو استعادة الثقة بالليرة اللبنانية وتحقيق التوازن الاقتصادي والمالي، وهو ما ستعكسه مؤشرات سعر الصرف الفعّال الحقيقي وسعر الصرف التوازني على المدى المتوسط، بما يوفر فرصة حقيقية للتعافي الاقتصادي.
* خبير اقتصادي، اتحاد المصارف العربية


