"المقاومة استعادت قدرتها" و"المقاومة على جهوزية تامّة لردع العدوان"، عبارتان لطالما اعتاد اللبنانيون على سماعهما، سواء من نواب حزب الله أو من قيادته السياسية، منذ عام 2006. لكن بعد حرب 2024، التي تكبّد فيها حزب الله خسائر كبيرة على المستويين السياسي والعسكري، وصولًا إلى حرب آذار 2026، عادت هذه المصطلحات لتُطرح بشكل أوسع وأكثر حضورًا. ومع ذلك، ومع حجم الخسائر التي رافقت هذه الحرب، برز سؤال واحد لدى اللبنانيين: "أين الحقيقة؟"
يقول العميد المتقاعد يعرب صخر في حديثه لـ"وردنا" إنه لا يجب أن ننسى أن حزب الله، على مدى 30 عامًا، راكم كميات كبيرة من السلاح والصواريخ والمسيّرات، إلى جانب مختلف الأصول والقدرات العسكرية. وقبل حرب 2023–2024، كان حسن نصر الله يتحدث عن امتلاك نحو 150 ألف صاروخ و100 ألف مقاتل، ولم يقتصر تهديده على إسرائيل فحسب، بل امتد ليشمل قبرص أيضًا.
ويعتبر صخر أن "غطرسة القوة"، المرتبطة بحجم هذه الترسانة الضخمة، هي التي دفعتهم إلى إطلاق تلك الإعلانات والتصريحات. ويرى أن ذلك أوقعهم تدريجيًا في الفخ الإسرائيلي، حيث جرى جمع المعلومات ومسحها وتراكمها على مدى سنوات، وصولًا إلى ما يُعرف بعملية تنظيم "بنك الأهداف"، وذلك بشكل متدرّج منذ عام 2006 وحتى 2023.
ويضيف صخر أن ذهاب حزب الله إلى سوريا أدى إلى انكشافه بشكل أكبر، سواء من خلال اختراقه عبر جواسيس وعملاء إسرائيليين في سوريا ولبنان، أو عبر التغلغل داخل بنيته الداخلية، ما وفّر لإسرائيل كمًّا هائلًا من المعلومات.
ويلفت إلى أن لدى إسرائيل نظامًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي يُعرف بـ"لافندر" و"ديب أوف ويزدوم"، يقوم بجمع كميات ضخمة من البيانات وتحليلها وفرزها وتصنيفها، وصولًا إلى تضييقها تدريجيًا ضمن ما يُعرف بـ"بنك الأهداف" المتكامل.
ويؤكد أن اللحظة المفصلية جاءت مع أحداث "7 أكتوبر"، التي غيّرت موازين المنطقة، معتبرًا أن الخطأ الكبير الذي ارتكبه حزب الله تمثّل في دخوله في "مساندة غزة"، ما دفع إسرائيل إلى توجيه تركيزها نحو لبنان والبدء بتنفيذ بنك أهدافها.
ويشرح أنه في الأيام الأولى من حرب 2023-2024، التي استمرت نحو 66 يومًا، تم استهداف نسبة كبيرة من بنية حزب الله، بما في ذلك قيادته والصفوف الأولى والثانية والثالثة، وصولًا إلى دائرة صنع القرار. كما طالت الضربات منصات صواريخ وأنفاقًا ومستودعات ذخيرة في مختلف المناطق التي ينتشر فيها الحزب.
ويرى صخر، في حديثه لـ"وردنا"، أن إسرائيل تمكّنت خلال فترة قصيرة من إضعاف قدرات حزب الله بشكل كبير، ما أدى في نهاية المطاف إلى اضطراره للموافقة على اتفاق 27 نوفمبر 2024. ويضيف أن الحزب ربما راهن، كما في عام 2006، على إمكانية إعادة بناء قوته بعد توقف القتال، إلا أن ظروف 2024 كانت مختلفة، إذ كان يواجه ضغوطًا كبيرة أجبرته على القبول بوقف إطلاق النار بشروط صعبة، على أمل استعادة قدراته لاحقًا.
ويكشف أن إسرائيل، هذه المرة، لم تكن مستعدة للسماح بإعادة بناء قوة الحزب، مشيرًا إلى أن الفترة الممتدة بين 27 نوفمبر 2024 و2 آذار 2026 شهدت محاولات من الحزب لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة بعض قدراته. إلا أن التغيرات في سوريا، خصوصًا ما يتعلق بخطوط الإمداد، حالت دون ذلك.
ويشير إلى أن الوضع في 2024 و2026 يختلف جذريًا عما كان عليه في 2006، سواء من حيث الظروف الإقليمية أو الواقع داخل سوريا، ما انعكس سلبًا على قدرات الحزب. وبرأيه، فإن ما تبقى من قدراته، والتي يقدّرها بنحو 30%، لم تكن كافية لخوض مواجهة جديدة، خصوصًا بعد تعرض ما تم ترميمه لضربات متتالية.
ويتابع أن إسرائيل ضيّقت الخناق على الحزب جغرافيًا، وأبعدته عن مناطق أساسية مثل الجنوب والضاحية، مع استمرار استهداف عناصره وبناه التحتية، مستفيدة من بنك أهداف لا يزال غنيًا بالمعلومات.
وبناءً على ذلك، يعتبر صخر أن ما تبقى من قدرات حزب الله لا يتجاوز نسبة محدودة مقارنة بالسابق، مشيرًا إلى أن إسرائيل تمكّنت من السيطرة على مساحات واسعة في الجنوب اللبناني، كانت لتتوسع أكثر لولا وقف إطلاق النار.
ويشدد على أن ما يعبّر عنه الحزب اليوم من قوة يقتصر إلى حد كبير على الخطاب الإعلامي، في ظل حالة من الإنكار، لا تعكس الواقع الفعلي. ويضيف أن الدولة اللبنانية تتجه نحو إنهاء ما يُعرف بالجناح العسكري للحزب، مستندة إلى الدستور واتفاق الطائف، لافتًا إلى تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام حول التأخر في تنفيذ بند نزع سلاح الميليشيات.
ويختم صخر حديثه بالإشارة إلى وجود توجّه رسمي داخلي لإنهاء الجناح العسكري للحزب بشكل تدريجي، بدءًا من إجراءات أمنية في بيروت، وصولًا إلى مراحل لاحقة تشمل مناطق أخرى وفق ما تم الاتفاق عليه في أغسطس 2025، معتبرًا أن الحزب قد يواجه تراجعًا كبيرًا في دوره خلال عام 2026.


