الهدنة لا تزال قيد التنفيذ، أو ربما "هكذا نظن"، باعتبار أن هناك وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل ومفاوضات جارية بين الطرفين.
ربما نسي الكثيرون أن اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2024، والاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية، قد شددا على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بوجه أي خطر محتمل ضدها".
ولكن مع تمديد الهدنة، برز أمر لافت وهو حصر الضربات بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، مع خرق محدود لهذا الحصر من خلال الضربات الإسرائيلية على البقاع؛ وهو ما دفع الكثيرين للتساؤل: "هل عدنا إلى قواعد اشتباك ما قبل الثامن من أكتوبر 2023، أم أن هناك قواعد اشتباك جديدة برعاية ترامبية؟".
يجيب العميد المتقاعد خالد حمادة بأنه لا شك في أن "المعركة في الجنوب مفتوحة لعدة أسباب؛ السبب الأول من الناحية الإسرائيلية، واستناداً إلى المذكرة التي صدرت عن وزارة الخارجية بعد اجتماع السفراء، يتم التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس ضد حزب الله. كما تعترف هذه المذكرة بأن لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب رسمية، لكن هناك ما يمكن وصفه في المذكرة بتفاهم إسرائيلي–أميركي للمشاكل التي تعاني منها الدولة اللبنانية نتيجة سلاح حزب الله".
ويؤكد حمادة في حديث لـ "وردنا" بأن إسرائيل تعتبر أن هذه الحرب ليست موجهة ضد الدولة اللبنانية، بل ضد حزب الله. ومن هذا المنطلق، جاء قصف بيروت في ما عُرف بـ "الأربعاء الدامي" قبل أكثر من 15 يوماً، ليؤكد أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يرتبط بما أعلنته إيران، وأن استهداف حزب الله في أي مكان يبقى هدفاً أساسياً.
وفي هذا السياق، قامت الحكومة اللبنانية بتطبيق خطة أمنية في بيروت، شملت تكليف الأجهزة الأمنية بالانتشار وتنفيذ تدابير مختلفة. ويشير إلى أننا "أمام حرب إسرائيلية ضد حزب الله وفق الفهم الإسرائيلي والأميركي، وهو ما تدركه الدولة اللبنانية جيداً؛ لذلك لا يتم استهداف منشآت حيوية حكومية كالمطار أو الجسور، إذ تعتبر إسرائيل أن أهدافها تندرج ضمن البنية التحتية الخاصة بحزب الله".
ويشدد على أنه "لا يمكن الحديث عن قواعد اشتباك واضحة؛ لأن طبيعة العمليات مرتبطة بالظروف السياسية، خصوصاً مع سعي الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغط على حزب الله لتأمين شروط أفضل في المفاوضات. فمن جهة، ترى واشنطن أن هناك مفاوضات مع الدولة اللبنانية في حين يقوم حزب الله بعرقلتها، وربما يهدد الاستقرار الداخلي مما يؤدي إلى التصعيد نوعاً ما، ومن جهة أخرى هناك رغبة في منع أي طرف سياسي لبناني من تفسير هذه المفاوضات بما يخدم مصالحه".
في هذا الإطار، فإن استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسفيرين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض، ضمن الجولة الثانية للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، هو أكبر دليل على أن مسألة وجود حزب الله وسلاحه في لبنان تحظى باهتمام كبير لدى ترامب.
كما أن المعركة قد لا تبقى محصورة في الجنوب، إذ شهد البقاع تصعيداً ملحوظاً مؤخراً، وقد يمتد القصف إلى الضاحية الجنوبية. ويمكن القول إن بيروت الإدارية وشمالها ليست ضمن بنك الأهداف حالياً، لكن ذلك لا يعني وجود قواعد اشتباك ثابتة.
ويلفت إلى أننا "أمام عملية عسكرية إسرائيلية مرشحة للتصعيد، تتأثر بعاملين رئيسيين: الأول هو إنجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والثاني هو سحب ورقة حزب الله، كورقة إيرانية، من يد طهران. في المقابل، لا يزال خطاب حزب الله يؤكد أن وقف إطلاق النار تم بوساطة إيرانية، وأن طهران تفاوض نيابة عن لبنان، وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى تغييره عبر فصل المسارين اللبناني والإيراني".
أما بالنسبة للمقارنة مع حرب 2006، فيشدد حمادة على أن المقارنة لا تبدو دقيقة، رغم احتمال تطبيق القرار 1701 هذه المرة ولكن بآلية مراقبة مختلفة. كما أن وجود قوات "اليونيفيل"، حتى في حال إعادة نشرها بقرار جديد، لا يعني تكرار تجربة 2006، إذ لا توجد نقاط تشابه جوهرية بين الحربين.
ويتابع قائلاً: "الحرب اليوم تهدف إلى نزع سلاح حزب الله بالتوازي مع إضعاف القدرات الإيرانية، وفرض فصل إيران عن أذرعها، أو على الأقل الحد من دعمها لها. لذلك، فالمعركة مختلفة تماماً؛ إذ إن لبنان يُعد جزءاً من مواجهة أوسع تخوضها الولايات المتحدة في المنطقة ضد إيران". ويكمل: "لا يمكن اعتبار الساحة اللبنانية مجرد انعكاس لما يجري في الخليج، بل هي جزء متزامن ضمن هذا الصراع الأوسع وليس العكس، ولهذا السبب لا توجد أوجه شبه حقيقية مع حرب عام 2006".
ويضيف: "كما سبق وذكرنا، لا يمكن الحديث عن خطوط اشتباك واضحة، إذ إن العمليات العسكرية قد تتطور، سواء عبر توسيع نطاق الضربات الجوية إلى شمال الليطاني أو حتى من خلال تصعيد بري، وحدود هذا التصعيد تبقى مرتبطة بظروف التفاوض وبطبيعة الصراع مع إيران. ويبدو أن الولايات المتحدة قد اتخذت قراراً بعدم التراجع أو المساومة على البنود التي طرحتها في إطار التفاوض، فيما تؤدي إسرائيل دور الذراع العسكرية لها في المنطقة".
ويرى أن "إسرائيل مستمرة في هذه المواجهة بدعم أميركي واضح، كما أن الساحة اللبنانية تبقى متزامنة مع الساحة الإيرانية، حيث يُستخدم التصعيد في لبنان كرسالة مباشرة إلى إيران مفادها أنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على أذرعها في المنطقة كورقة ضغط".
ويختم حمادة حديثه لـ "وردنا" قائلاً: "إن هذا يعني أن مرحلة استخدام الحلفاء الإقليميين لتنفيذ عمليات عسكرية بالنيابة عن إيران قد انتهت إلى حد كبير، ولم يعد هذا النهج قابلاً للاستمرار. كذلك، لم يعد مقبولاً التمييز بين سلاح جنوب الليطاني وسلاح شماله، إذ إن مسألة السلاح باتت مطروحة بشكل شامل ونهائي. في المحصلة، لبنان اليوم جزء من منطقة يُعاد رسم توازنات النفوذ فيها بشكل جذري".


