في ذلكَ المكتبِ الذي تتقاطعُ فيهِ خيوطُ العدالةِ وخبايا السّياسَةِ اللبنانّيةِ، لا تُشبهُ الحَركةُ سُكونَ الرّتابَةِ المَعهودِ في أروقَةِ "قصرِ العدل".
هُنا، في عرينِ النّائبِ العامّ التمييزي الجديدِ القاضَي أحمد رامِي الحَاج، ثَمّةَ إيقاعٌ مختلفٌ يَشي بولادةِ مرحلةٍ جديدةٍ، تُكتبُ تفاصيلُهَا على وَقعِ الحِبرِ السّاخِنِ والمَلفّاتِ المفتوحةِ على شَتّى الاحتمالاتِ.
من يدخلُ هذا المكتبَ، يدركُ فوراً أنّ المقعدَ لم يُعد مُجرّدَ منصّةٍ لانتظارِ سِنّ التّقاعُدِ أو إدارةِ الرّكُودُ.
يجلسُ القاضي الشّاب وخلفهِ أفُقٌ مٌمتَدٌّ منَ الوَقتِ: 15 عاماً تقريباً تفصلهُ عن سِنّ التّقاعُدِ. هذا الرّقمُ في قاموسِ الإدارةِ اللبنانيّةِ وفي سِلكِ القضاءِ تحديداً ليسَ مُجرّد عمليّةٍ حسابيّةٍ، بل هو مشروعُ استقرارٍ ومساحةٍ زمنيّةٍ كافيةٍ للتّرميمِ والبِناءِ. منذُ سنواتٍ طويلةٍ، لم يَختَبر هذَا المَنصِبُ الحسّاسُ مِيزَةَ "السّنّ المُبكرة".
تعوّدنا على ملامحَ يَكسوهَا الوقارُ المُثقلُ بعبءِ السّنينِ المُشرفَةِ على النّهايَةِ، لكنّنَا اليومَ أمامَ مَشهدٍ مُغايِرٍ: حَيوِيّةٍ تُسابقُ الزّمنِ. ورُؤيةٌ تملكُ ترفَ الوقتِ وقوّةَ الاندفاعِ الشّابّةِ لتَترُكَ بَصمةً في وجدانِ العدالةِ.
المكتبُ لا يَهدأُ. وكأنّهُ خليّةُ نَحلٍ يُديرُها "مايْسترو" مُتَمَرِّس. الحركةُ هنا تَعجّ بالقُضاةِ والُمحامِين، والمُهنّئينَ الّذينَ يَختلطُونَ بالمُتابِعينَ لأدقِّ الملفّاتِ وأكثرِها تَعقيداً. الزّحمةُ قد تُربِكُ الكثيرينَ. لكنّها عند القاضِي أحمد رامي الحَاج تَتَحَوّلُ إلى مَسرحٍ للقُدرةِ الاستثنائِيّةِ على الإدِارَةِ المُوازِية.
في اللّحظَةِ عينُها، تراهُ يَستقبِلُ قاضياً بوقارِ الزّمالةِ. ويَستَمِعُ إلى محامٍ بنَباهَةِ القانونِ. ويلتفتُ إلى مواطنٍ يَبحثُ عن حقٍّ ضائعٍ بروحِ المسؤوليّةِ والإنسانيّةِ. إنّهُ يَملكُ تلكَ المِيزَةِ النّادِرةِ: القدرةُ على توزيعِ الاهتمامِ والتّركيزِ، بحيثُ يَشعرُ كلُّ واقفٍ في ذاكَ الصّخبِ أنّه المِحَورُ. وأنّ قضيّتَهُ هي القَضِيّةُ الأسَاس، دون أن يُسقِطَ من يَدِهِ خَيطَ المَلفِّ الآخر.
هذهِ النّباهةُ في إدارةِ البشَرِ والمَلَفّاتِ ليسَت وليدةَ الصّدفَةِ، بل هي نِتاجُ جُغرافيا لبنانيّة مُعقّدَة صاغَت وعيَهُ. فالقاضي أحمد رامي الحاج هو ابنُ "إقليمِ الخرّوبِ". و"الإقليمُ" في الجُغرافيَا السّيّاسِيّةِ والاجتماعيّةِ اللبنانيّةِ ليْسَ مُجرّدَ بلادٍ وقُرى، بل هو "نَمُوذَج مُصَغّرٌ" عن لبنانَ بأسرهِ، بتركيبتهِ الفريدةِ، توازناتِهِ الدّقيقةِ، وتداخلِ عائلاتِهِ وطوائفِهِ.
من يولدُ ويتربّى في الإقليمِ، يكتسبُ بالفطرةِ والتّجربَةِ حاسّةً سادسةً لقراءةِ التّوازنات اللبنانيّة. يعرفُ أينَ تَكمُنُ الخطوطُ الحمر، وكيفَ يُدارُ الحوارُ على حافّةِ الهاويةِ، وكيف يُحفَظُ التوازنُ دونَ التفريط بالجوهرِ.
تكتملُ هذه الحاسّةُ السّياسيّة - الاجتماعيّةُ بِخبرَةٍ قانونيّةٍ صُقِلت في المْيدانِ الصّعبِ. فالقاضي الحاج ليس وافداً من الغرفِ المُغلقةِ، بل تنقّلَ في شرايينِ القَضاءِ السّاخِنَةِ. عَمل قاضيَ تحقيقٍ ورئيساً لمحكمةِ الجناياتِ في الشّمال، وتحديداً في مدينةِ طرابلس، تلكَ المدينةُ المُثقلةُ بالملفّاتِ الأمنيّةِ والاجتماعيّةِ والتي تحتاجُ من القَاضِي مقاديرَ دقيقة من الحَزمِ والمرُونَةُ. وفي طرابلس، تعلّّمَ كيفَ يَقرأُ النّبَضَ الشّعبِيّ خَلفَ نُصوصِ القَوانِين. ثمّ انتقلَ ليُصبحَ محامياً عاماً تمييزياً، في قلبِ العاصِمَةِ وضِمنَ الدّائرةِ الأضيقَ لصُنعِ القرارِ القضائيّ، حيثُ تُختَبرُ القَضايَا الكُبرَى وحيثُ تُصبحُ المسؤوليّةُ مُضاعفة.
هذَا الَتدرّجُ الطّبيعِيّ، منَ الفروعِ إلى الأصلِ، ومنَ الأطرافِ إلى المَركزِ، جَعلَ وصولُهُ إلى سُدّةِ النّيابَة العامّةِ لدى مَحكَمَةِ التمييزِ تتويجاً لمسارٍ من التّراكُمِ والخِبرةِ، وليْسَ قفزةً في المجهولِ.
يجلسُ القاضي الشّابّ في مكتُبهِ، يُحيطُ به ضجيجُ المراجعينَ وصمتُ الملفّاتِ الخطرةِ، مُمْسِكاً بميزانٍ دقيقٍ: ميزانُ القانونِ الذي لا يُحابِي، وميزانُ التوازناتِ التي تَحفظُ الهَيكلَ من السّقوطِ. في عينيهِ تقرأُ إصرارَ من يَعلَم حجمَ التّحدي. وفي حركتهِ تلمسُ حيويةَ الجيلِ الجديدِ الذي يُدرِكُ أنّ العدالةَ ليْست مُجرّدَ نصوصٍ صَمّاءَ، بل هي شجاعةُ الموقفِ، وحِكمةِ الإدارةِ، والقدرةِ على بعثِ الأملِ في زمنِ الانكسارات الكبرى.
يدخلُ أحمد رامي الحاج تاريخَ الجمهوريةِّ اللبنانيةِ كأصغرِ نائبٍ عامٍ تمييزي، مُتسلّحاً بإجماعٍ حكوميٍّ يدركُ حساسيّةَ المرحلةِ.
على كاهلِ ابنِ "إقليم الخروب" يربضُ إرثٌ أكاديميّ عريقٍ لوالدهِ، وتجربةٌ ميدانيّةٌ صقلتها نارُ طرابلس الجنائيّة.
يرفعُ القاضي الشّاب شعارَ "لا مهادنة ولا مسايرة ولا تمييز"، مدركاً أن ترسيخَ دولةِ القانون هو المعبرُ الوحيدُ لاستعادةِ الدولةِ الجامِعةِ. يدركُ صاحبُ الـ15 عاماً المُقبِلَةَ أنّ الأنظارَ لا تشخصُ إلى عُمره، بل إلى شجاعةِ ميزانه. فإمّا أن ينتشلَ بقعةَ الضوءِ الأخيرةَ في "قصر العدل"، وإما أن تبتلعَ التسوياتُ المعهودةُ هيبةَ القضاءِ.


