فيما تستعد واشنطن لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غدا الثلاثاء تركز على تثبيت وقف إطلاق النار ومناقشة خطة الانسحاب و"المناطق التجريبية" وانتشار الجيش اللبناني، عقدت منذ ساعات جلسة في سويسرا أكد المشاركون فيها انها أحرزت تقدّماً كبيراً بشأن إنهاء الحرب في لبنان.
المفاوضات في واشنطن بين لبنان واسرائيل تسير وفق مسار دبلوماسي وعسكري ترعاه الخارجية الأميركية، وتثبت الدولة اللبنانية من خلالها انها سيدة قراراتها، وهذا ما أكد عليه رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي اعتبر أن الدولة وحدها من تفاوض باسم لبنان وأن أي تسوية تتم ستكون من خلالها وليس على حسابها كما حدد أولويات الوفد اللبناني المشارك وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء الخروقات الإسرائيلية، واستكمال الانسحاب من المناطق اللبنانية التي لا تزال محتلة.
اما في سويسرا، فتتم مناقشة مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن اذ يشير "البند الأول" فيها الى الوقف الشامل للعمليات العسكرية بما في ذلك لبنان، وتتزامن مع جدل حول مصير الاذرع الإيرانية في المنطقة خصوصا حزب الله، ووسط تخوف من أن تكون أميركا أي راعي التسويات والمفاوضات لمنع التصعيد في المنطقة في لحظة شديدة الحساسية، "باعت" لبنان لايران في مذكرة التفاهم ليبقى ورقتها الأقوى خصوصا انها تتحدث باسمه وعنه في جلسات النقاش التفاوضية. مع الاشارة الى ان هناك معلومات من سويسرا تتحدث عن تشكيل خلية متابعة أميركية وقطرية وإيرانية لوقف إطلاق النار في لبنان ما يعني ان واشنطن سلمت بعدم فصل المسار اللبناني عن المسار الاميركي- الإيراني.
على أي حال، تشير الوقائع الى ان الملفات المطروحة على طاولات التفاوض من واشنطن إلى سويسرا ليست سهلة ويشوبها الكثير من الغموض والتعقيدات في مختلف القضايا المطروحة وحتى لو نجحت واشنطن وطهران في إدارة الخلافات بينهما، تبقى الساحة اللبنانية المعضلة الابرز في ظل دولة يحاول أركانها تثبيت حصرية القرار والسيادة، وحزب يصر على الامساك بزمام البلاد والعباد في وقت تتشابك فيه الصراعات وتترابط الحسابات المحلية والاقليمية.
وسط هذه التعقيدات، بات التفاوض بين واشنطن وطهران يشكل بحد ذاته هاجسا لدى اللبنانيين، ويمكن طرح العديد من الأسئلة التي ربما تبقى الإجابة عنها في إطار التحليل إلى حين اتضاح الصورة، وظهور نتائج كل المسارات التفاوضية في المنطقة: هل إيران من خلال اصرارها في التفاوض على وقف النار في لبنان تحاول الحفاظ على حضورها المباشر في المشهد اللبناني وفرض نفسها كلاعب أساسي ولا يمكن الاستغناء عن دورها في حسم الصراعات؟ وهل يمكن لأميركا أن تتنازل عن الملف اللبناني لاحتواء التصعيد في المنطقة؟ وهل جلسات التفاوض في سويسرا خصوصا فيما يتعلق ببند لبنان تتكامل او تتعارض مع مفاوضات واشنطن؟ وهل المفاوضات مجرد تكتيك لكسب الوقت او انها جدية تهدف للتوصل إلى تسوية مستقبلية شاملة؟.
ايران دخلت العصر الاميركي
مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات حسان قطب اعتبر في حديث لموقع "وردنا" ان المفاوضات في سويسرا وما وصلت اليه من تفاهمات، يشير الى ان ايران قد دخلت العصر الاميركي حيث وافقت على النقاط الاساسية والمطالب الاميركية، حتى يتم فك الحصار واعادة الحياة الى ايران، مما يعني ان الاسئلة سيتم توجيهها الى القيادة الايرانية من قبل الحرس الثوري والمتشددين الذين سيعترضون على تفاوض نظام المرشد الديني مع الشيطان الاكبر الاميركي.وعلينا ان ننتظر النتائج والتداعيات ورد الفعل الشعبي كما السياسي في الداخل الايراني كما لدى الادوات والاذرع في المحيط العربي (العراق ولبنان واليمن).إيران تريد شراء الوقت الكافي بطلبها التفاوض والتوقيع على ورقة التفاهم، لايجاد حل سياسي وأمني واقتصادي مع الولايات المتحدة، لاعادة انتاج هرم السلطة السياسية، وتثبيت النظام السياسي الذي اصبح وجوده على المحك. واستمرار الحرب قد يؤدي الى انهيار النظام وتفكيكه، وهذا ما اشار اليه الرئيس الايراني بزشكيان حين طالب بالوحدة الوطنية وتماسك المكونات الايرانية.
ايران وضعت لبنان على جدول مطالبها لأنه الساحة الوحيدة التي من خلالها يمكنها تهديد امن الداخل الاسرائيلي. وهي تستعمل لبنان كورقة مساومة لتحسين شروطها خلال التفاوض او على الاقل ان يكون لديها ورقة تفاوض عليها. وقد شكر قاليباف ومجتبى خامنئي حزب الله على دوره في هذه الحرب. ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد التفاهم الاميركي – الايراني؟. هل سيبقى لبنان على جدول المطالب الايرانية؟ هذا اضافة الى ان ايران تريد فرصة او متنفس لسحب جنود الحرس الثوري من جبهة لبنان في ظروف هادئة وليس خلال حرب مفتوحة.
المفاوضات الاميركية- الايرانية ضرورة للطرفين
ورأى قطب ان المفاوضات الاميركية- الايرانية، قد اصبحت ضرورة للطرفين. الولايات المتحدة الاميركية تريد اعطاء الداخل الايراني الوقت الكافي للاطلاع على الاضرار وحجم الخسائر التي تكبدتها ايران نتيجة القصف الذي تعرضت له ايران على مرحلتين، وكذلك ان يلمس الشعب الايراني خطورة الحصار البحري الاميركي على ايران، والذي ادى الى ارتفاع مستوى التضخم وفقدان مواد اساسية من الاسواق الايرانية، مما ينعكس سلباً على علاقة المجتمع الايراني مع القيادة او ما تبقى من القيادة الايرانية. ويكشف عجز هذه القيادة عن تأمين الحاجات الاساسية والضرورية كما عجزها عن مواجهة الحصار وتجاوزه دون ان تدخل في حربٍ تدميرية او مفاوضات للتوصل الى تسوية سياسية. والهدف الاساسي بالنسبة للولايات المتحدة يبقى بتغيير حقيقي في هرم القيادة السياسية كما الدينية الايرانية في المرحلة المقبلة. وبذلك، تنجز الولايات المتحدة ما تسعى اليه على مستوى القدرة العسكرية والاقتصادية الايرانية اضافة الى اطلاق مواجهة بين المجتمع الايراني والقيادة السياسة التي بدت عاجزة خاصة مع غياب الوجه الديني للنظام نتيجة عدم ظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي مما يطرح اسئلة كثيرة بين ابناء الشعب الايراني الذي اعتاد على وجود قيادة دينية إلهية تحت مسمى ولاية الفقيه منذ استلام الخميني للسلطة وصولا لغياب علي الخامنئي.
أما اسرائيل، تريد ان يبقى الصراع مفتوحاً لتثبيت معادلة سياسية وامنية وعسكريية جديدة على الحدود مع لبنان، وانهاء ملف الصراع المفتوح، ومنع ايران من استخدام لبنان ساحة مواجهة كلما ارادت، وهذا ما اعترف به نعيم قاسم عندما اعلن ان حزب الله اطلق الصواريخ رداً على اغتيال خامنئي، ومجتبى خامنئي شكر حزب الله على انخراطه في الحرب للدفاع عن الجمهورية الايرانية بحسب قطب.
حزب الله يريد الحفاظ على حد أدنى من المكتسبات
حزب الله من جهته، يريد الحفاظ على الحد الادنى من المكتسبات تحت الوصاية الايرانية بما يمكنه الابقاء على دوره الذي يخدم ايران قبل الشعب اللبناني بربطه وقف اطلاق النار بالموقف الايراني وتحت السقف الايراني. وكذلك لتهديد المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل في واشنطن. وكان حزب الله قد دعا الى وقف المفاوضات او التنصل منها. وكذلك هناك مشكلة حقيقية يواجهها حزب الله وهي تأمين النازحين والتعويض عليهم واعادة الاعمار التي لا يزال الحديث عنها غامض مع غياب الدعم المالي المطلوب والعجز الايراني عن تأمين اية اموال لحزب الله حتى لتغطية تكاليف الحرب وليس لاعادة الاعمار.
ان توجه حزب الله الى رفع وتيرة التهديد بإثارة الصراع في الداخل، دفع الولايات المتحدة للتهويل او التلويح بدور سوري في الداخل اللبناني، لمنع حزب الله وايران من تهديد امن المنطقة، وتصوير الصراع على انه مع اسرائيل حصراً. ونائب حزب الله ايهاب حمادة اكد ان الصراع في المنطقة يعود الى 1400 سنة، وان له ثأر لن يهدأ قبل تحقيق الانتقام. بين الرغبات الايرانية والطموحات الاسرائيلية والمصالح الاميركية يبقى لبنان على حافة الانفجار الممكن في اية لحظة اذا وجد اي طرف له مصلحة بذلك وفق ما قال قطب.


