لا يعني نقص الحديد بالضرورة أن الجسم فقد الحديد خلال يوم واحد فقط. بل قد تشير إلى هبوط ملحوظ في مخزون الحديد أو في مستوى الهيموغلوبين خلال فترة قصيرة نسبياً. بحيث تبدأ الأعراض بالظهور بوضوح مثل الإرهاق الشديد والدوخة وشحوب البشرة وتسارع ضربات القلب وضيق النفس.
وغالباً ما يظن البعض أن السبب الوحيد هو ضعف التغذية. لكن الحقيقة أن نقص الحديد قد يكون أحياناً علامة على مشكلة أعمق مثل نزيف داخلي بطيء أو اضطراب في امتصاص الحديد أو زيادة مفاجئة في حاجة الجسم إليه.
كيف يحدث نقص الحديد بشكل مفاجئ؟

أولاً: فقدان الدم المفاجئ أو المزمن
يعد فقدان الدم من أهم وأشهر أسباب نقص الحديد المفاجئ. لأن الحديد موجود داخل خلايا الدم الحمراء. وأي نزيف يعني خسارة مباشرة لهذا الحديد.
الحيض الغزير عند النساء
النساء اللواتي يعانين من دورة شهرية غزيرة يكنّ أكثر عرضة لنقص الحديد. خصوصاً إذا استمر النزيف الشهري بكثافة لعدة أشهر. وتشير مايو كلينك إلى أن غزارة الطمث من الأسباب الشائعة لفقر الدم بعوز الحديد لدى النساء.
النزيف الداخلي الخفي
في بعض الحالات لا يكون النزيف ظاهراً. بل يحدث داخل الجهاز الهضمي ببطء من دون أن يلاحظه المريض. ومن أسبابه المحتملة قرحة المعدة أو الزوائد القولونية أو سرطان القولون والمستقيم أو النزف الناتج عن الاستخدام المزمن لبعض المسكنات مثل الأسبرين ومضادات الالتهاب. وهنا تكمن الخطورة. لأن نقص الحديد قد يكون أول علامة تدفع إلى اكتشاف السبب الأساسي.
الإصابات والعمليات والتبرع المتكرر بالدم
كذلك قد يحدث الهبوط في الحديد بعد الجروح العميقة أو العمليات الجراحية الكبرى أو حتى التبرع المتكرر بالدم من دون تعويض غذائي كافٍ. ويعد المتبرعين المتكررين أكثر عرضة لانخفاض مخزون الحديد مع الوقت.
ثانياً: زيادة حاجة الجسم إلى الحديد
في أحيان أخرى لا يكون السبب فقدان الدم. بل ارتفاع احتياج الجسم للحديد بسرعة بحيث يصبح المخزون غير كافٍ لتغطية هذه المرحلة.
الحمل والرضاعة
الحمل من أكثر الفترات التي يرتفع فيها الطلب على الحديد. لأن جسم الأم يحتاج إلى دعم زيادة حجم الدم لديها. وفي الوقت نفسه تزويد الجنين بما يحتاجه للنمو. ولهذا يعد الحوامل أكثر عرضة لنقص الحديد إذا لم يحصلن على ما يكفي من الحديد عبر الغذاء أو المكملات. كما قد تستمر هذه الحاجة خلال الرضاعة. خاصة إذا كانت مخازن الحديد منخفضة من الأساس.
طفرات النمو عند الأطفال والمراهقين
الأطفال والمراهقون. خصوصاً خلال فترات النمو السريع. يحتاجون إلى الحديد بكميات أكبر لدعم تكوين الدم والأنسجة والعضلات. ولذلك قد يظهر نقص الحديد لديهم بشكل أوضح في هذه المرحلة إذا كان النظام الغذائي غير كافٍ.
التمارين الشاقة جداً
الرياضة بحد ذاتها ليست سبباً مباشراً دائماً. لكن التمارين العنيفة والمتكررة قد ترفع احتياج الجسم للعناصر الغذائية عموماً. وقد تسهم لدى بعض الرياضيين في استنزاف الحديد إذا ترافق ذلك مع تعرق شديد أو تغذية غير كافية أو فقدان دم مجهري متكرر عند بعض رياضات التحمل.
ثالثاً: مشاكل تمنع امتصاص الحديد
حتى لو كان الغذاء جيداً. قد لا يستفيد الجسم من الحديد إذا كانت هناك مشكلة في الامتصاص داخل الأمعاء الدقيقة.
أمراض الأمعاء والمعدة
من أبرز هذه الحالات الداء البطني (السيلياك) ومرض كرون والتهاب القولون التقرحي وبعض الاضطرابات الهضمية المزمنة. وقد تمنع أمراض الأمعاء امتصاص الحديد بشكل طبيعي. ما يؤدي إلى نقصه حتى لو كان الشخص يتناول مصادر جيدة منه.
جراحات السمنة أو استئصال أجزاء من الجهاز الهضمي
إذا خضع الشخص إلى جراحة تحويل مسار المعدة أو أي جراحة تؤثر في أجزاء من الأمعاء المسؤولة عن الامتصاص. فقد يصبح أكثر عرضة لنقص الحديد. والسبب هنا أن امتصاص الحديد لا يعتمد فقط على كمية ما نأكله. بل أيضاً على سلامة الأجزاء الهضمية المسؤولة عن امتصاصه.

رابعاً: النظام الغذائي الفقير بالحديد
من بين أسباب نقص الحديد المفاجئ أيضاً الانتقال إلى نظام غذائي قاسٍ أو محدود جداً من دون تخطيط جيد. فعندما يقل تناول اللحوم أو البقوليات أو الأطعمة المدعمة بالحديد لفترة. يبدأ المخزون بالانخفاض تدريجياً. وقد يظهر ذلك بصورة أسرع عند من لديهم مخزون منخفض أصلاً. مثل النساء بعد الحمل أو الأشخاص الذين يعانون من نزيف شهري غزير.
وكما أن الاعتماد على أنظمة نباتية صارمة من دون بدائل غنية بالحديد أو من دون دمجها بمصادر فيتامين C قد يرفع احتمال النقص مع الوقت. لأن الحديد النباتي امتصاصه أضعف من الحديد الموجود في المصادر الحيوانية.
خامساً: عادات تمنع امتصاص الحديد
ليست المشكلة دائماً في كمية الحديد. بل أحياناً في طريقة تناوله. فشرب الشاي أو القهوة مباشرة بعد الوجبات قد يقلل امتصاص الحديد. خصوصاً إذا كانت الوجبة هي المصدر الأساسي له.
وكما أن تناول الحديد مع كميات كبيرة من الكالسيوم أو مع بعض مضادات الحموضة قد يحد من الاستفادة منه. ويوصى بترك فاصل زمني مناسب بين الحديد وبين الشاي والقهوة لتحسين الامتصاص.
متى يصبح نقص الحديد المفاجئ مقلقاً؟
يجب عدم تجاهل نقص الحديد إذا ترافق مع أعراض مثل:
-تعب شديد غير معتاد
-دوخة أو صداع متكرر
-شحوب واضح في الوجه والشفاه
-خفقان أو ضيق نفس
-هبوط في الأداء البدني أو الذهني
ويصبح الأمر أكثر أهمية إذا كان النقص يظهر فجأة من دون سبب واضح أو إذا كان الشخص رجلاً أو امرأة بعد سن اليأس. لأن هذه الفئات تحتاج غالباً إلى البحث عن سبب نزيف داخلي أو مشكلة صحية كامنة بدل الاكتفاء بتناول الحديد من تلقاء نفسها.
وفي النهاية، إذا كنت تعاني من أعراض متكررة أو أظهرت التحاليل انخفاضاً واضحاً في الحديد أو الفيريتين. فالأفضل مراجعة الطبيب لإجراء CBC وتحليل الفيريتين وربما فحوصات إضافية حسب الحالة. فالعلاج الفعّال لا يقتصر على رفع الرقم في التحليل. بل على معالجة السبب الذي أدى إلى نقص الحديد من الأساس.
شاهد أيضاً


