اصدر الدكتور هادي دلول التوضيح الآتي: إزاء الحملة الإعلامية التي رافقت المقابلة التي أجريتها على شاشة تلفزيون «الجديد»، وما رافقها من محاولات متعمدة لاجتزاء كلامي وإخراجه من سياقه، أجد من الضروري توضيح حقيقة ما قيل، ليس دفاعاً عن شخصي، وإنما احتراماً لعقول الناس وحقهم في معرفة الحقيقة كاملة.
ما جرى تحديداً أن المذيع سألني: لماذا الآن يتم التركيز على الضاحية، بينما الجنوب تُرك في إطار المفاوضات؟
وكانت إجابتي واضحة في سياق الحديث عن حجم الدمار الذي أصاب الجنوب، حين قلت إن «الجنوب قد سقط»، والمقصود بالسقوط هنا أن الأذى والدمار بلغا فيه حداً كبيراً، وأن مناطق واسعة أصبحت غير صالحة للسكن، بعدما دُمّرت البيوت التي كان يفترض أن يعود إليها أهلها.
أما الضاحية، فقلت بوضوح إنها لا تزال تضم أحياء ومناطق قائمة، وأنها في ظل غياب أي رادع مضاد للطائرات، فإن السؤال يصبح: هل نبدأ باستخلاص نتائج المعركة وإعادة إعمار الجنوب وإعادة أهله إليه، أم نفتح المجال أمام العدو الإسرائيلي لاستكمال تدمير ما تبقى من الضاحية؟
وهذا الكلام لا يحتمل التأويل الذي حاول البعض اختراعه.
لم أقل، لا تصريحاً ولا تلميحاً، إن الضاحية «سقطت بيد الصهاينة»، ولم أقل إن المقاومة أو جمهورها قد هُزموا. كنت أتحدث عن واقع الدمار، وعن الأولويات، وعن ضرورة إعادة إعمار الجنوب وتمكين أهله من العودة إلى بيوتهم، في مقابل منع استكمال تدمير ما تبقى من أحياء الضاحية.
لكن يبدو أن بعض من اعتادوا البحث عن جملة يضعونها في خدمة رواية مسبقة، لم يكن يعنيهم مضمون المقابلة، ولا سياق الكلام، ولا حتى متابعة الحوار كاملاً. كان المطلوب مجرد مفردة تُنتزع من مكانها، ثم تُقدّم للناس باعتبارها موقفاً آخر تماماً.
وهنا أسأل: هل أصبح الاجتزاء بديلاً عن الحقيقة؟ وهل أصبحت النوايا الشخصية معياراً لقراءة المواقف؟
لقد حاول بعض هؤلاء، ولطالما حاولوا، تشويه صورتي واستهدافي لأسباب تتجاوز الاختلاف السياسي إلى حسابات شخصية وبغض واضح. وأنا لا أرفض النقد، بل أرحب بأي نقد موضوعي، لكنني أرفض أن تتحول الخصومة الشخصية إلى حملات تضليل تستهدف مواقفي وسمعتي.
أما في ما يتعلق بعلاقتي بإيران، فأجد نفسي مضطراً إلى توضيح أمر يعرفه القريب والبعيد: لم أكن يوماً موظفاً في السفارة الإيرانية، ولا عضواً في وزارة الخارجية الإيرانية، ولم أدّعِ هذا الأمر في أي يوم من الأيام.
علاقتي بالجامعات والمؤسسات والمسؤولين الإيرانيين قامت على أساس اختصاصي الأكاديمي والمهني. زرت جامعات في إيران، وألقيت محاضرات فيها في مجال تخصصي، وبحكم هذا الاختصاص بنيت علاقات علمية ومعرفية مع عدد من المسؤولين والباحثين هناك.
وأنا، كما قلت في المقابلة، صاحب اختصاص دقيق في ملف البرنامج النووي، وهو اختصاص نادر في المنطقة. ولهذا السبب، عندما تكون هناك مقابلة إعلامية مع مسؤول من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو مع مسؤول مرتبط بالبرنامج النووي الأميركي، فمن الطبيعي أن أكون حاضراً في مواجهة هذا الطرف، حتى يكون الحوار متوازناً من الناحية التقنية والعلمية، لا مجرد سجال سياسي بين طرفين.
ومن هذا المنطلق تحديداً، كنت أتمنى أن تُسمع الرواية الإيرانية في ما يتعلق بالبرنامج النووي، لأنني أعرف تفاصيل هذا الملف منذ ما قبل قيام الجمهورية الإسلامية، وأمتلك الخلفية العلمية والتاريخية التي تسمح لي بمناقشته بعيداً عن الشعارات والتوصيفات السطحية.
وفي هذا السياق، أتوجه بالشكر إلى وزارة الخارجية الإيرانية على توضيحها الذي وضع الأمور في نصابها، وعلى إدراكها لطبيعة الحملة التي حاول البعض من خلالها تحريف كلامي واستثماره في غير سياقه.
كما أؤكد أن هذا التوضيح أسقط عملياً كل محاولة لاستثمار بيان السفارة الإيرانية أو تحميله ما لا يحتمل، وتحويله إلى مادة للهجوم عليّ أو التشكيك في موقفي وعلاقتي المهنية والعلمية. وأقول لكل من حاول أن يبني رواية ضدي انطلاقاً من ذلك: لقد سقطت حجتكم بمجرد أن اتضح السياق الحقيقي، ولم يعد بالإمكان استخدام البيان ذريعة لتصفية حسابات شخصية أو سياسية.
والغريب هنا أن بعض الذين يقدّمون أنفسهم اليوم باعتبارهم الأكثر حرصاً على المقاومة وعلى إيران، لم نسمع منهم الصوت نفسه عندما كان بعض المغردين يروّجون علناً، وبشكل مباشر، أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً.
هذه ليست مسألة تفصيلية.
الترويج بأن إيران تمتلك سلاحاً نووياً هو بالضبط من الروايات التي يمكن أن تُستخدم لتبرير العدوان عليها، وقد استُخدمت مثل هذه الذرائع بالفعل في الخطاب السياسي الذي سبق استهداف إيران.
فلماذا لم نرَ هذه الغيرة نفسها، ولماذا لم تتم ملاحقة تلك الادعاءات الصريحة والواضحة وضح النهار، بينما جرى تحويل كلمة قيلت في سياق محدد إلى حملة كاملة؟
الجواب، بالنسبة إليّ، أصبح واضحاً: لأن القضية لم تكن الدفاع عن المقاومة ولا الدفاع عن إيران، وإنما البحث عن مفردات يمكن اقتطاعها من سياقها لصناعة رواية تخدم خصومة شخصية أو أجندة مسبقة.
ولو كان الهدف فعلاً هو الدفاع عن المقاومة، لكان الأولى أن تكون المعركة مع من يروّج فعلياً لما يشرّع العدوان عليها، لا مع محلل سياسي قال جملة جرى تحريف معناها بعد اقتطاعها من سياقها.
وأؤكد هنا أنني لا أحتاج إلى إعادة تعريف نفسي أو مواقفي أمام من يتابعني منذ سنوات. مواقفي معروفة، ومقالاتي ومقابلاتي وتصريحاتي موجودة، ومساري كله يشهد على ما أؤمن به.
كنت، وسأبقى، وسأظل إلى جانب المقاومة، ومدافعاً عن حقها في الدفاع عن الأرض، وعن كل شبر من أرضنا. وهذا ليس موقفاً طارئاً فرضته لحظة سياسية، ولا موقفاً يتغير وفقاً للمزايدات الإعلامية.
قد أختلف في الرأي، وقد أخطئ في التقدير، وقد يختلف معي البعض سياسياً وفكرياً، وهذا حق مشروع أحترمه. لكنني لا أساوم على قناعتي، ولا أبيع موقفي، ولا أقبل أن يصبح الاجتزاء والتضليل بديلاً عن الحقيقة.
صوتي كان وسيبقى صوت الحق كما أراه وأؤمن به، سواء أعجب ذلك البعض أم أغضبهم.
وفي الختام، أتوجه بالشكر والامتنان إلى جمهوري وإلى كل من تواصل معي وأعلن تضامنه ورفضه لهذه الحملة، وإلى كل من عاد إلى المقابلة كاملة وقرأ الكلام في سياقه، لأن الحقيقة لا تُبنى على مقطع مبتور.
أما من يصرّ على تشويه المواقف، فأقول له بوضوح:
لن تصنعوا من الاجتزاء حقيقة، ولن تحوّلوا الخصومة الشخصية إلى موقف سياسي، ولن تغيّروا موقفي بحملة إعلامية.
فالمواقف تُقرأ في سياقها، والأشخاص تُعرف بمسارها، والحقيقة لا تُختزل في جملة اقتُطعت من مقابلة كاملة.
والتاريخ وحده كفيل بأن يفرّق بين من قال ما يؤمن به، ومن بحث عن كلمة ليبني عليها كذبة.


