ما الذي جرى خلال الأسبوع الماضي، وأدخل الولايات المتحدة في أزمة أمن قومي واسعة وخطيرة؟
القصة باختصار، هي أن رئيس تحرير مجلة "أتلانتيك" الأميركية الشهيرة، غير الصديق للرئيس ترمب، قد عرف طريقه إلى مصباح سحري، عبر تطبيق عصراني يدعى "سيغنال"، حيث هبطت عليه من السماء معلومات وافية وشافية تخص العمليات العسكرية الأميركية في اليمن، والقصف الذي يجري ضد جماعة الحوثي.
بطريق ما وجد جيفري غولدبرغ نفسه، ضمن مجموعة عالية المستوى من كبار مسؤولي إدارة ترمب، وعلى رأسهم نائب الرئيس جي دي فانس ومستشار الأمن القومي مايك والتز، وغيرهما من عسكريين كبار، حيث كانوا يناقشون التخطيط لضربات الحوثي، التوقيت، الرسائل السياسية، الخطط العملياتية، وما إلى ذلك. هل ما جرى حادثة أم كارثة؟
المؤكد في كل الأحوال أنه أمر خطير؛ فمثل تلك النقاشات المتعلقة بأعلى درجات الأمن القومي في حالة الحرب، تجري عادة في غرف آمنة مزودة بقدرات عالية ضد التجسس، حيث لا تسمح البنى الهيكلية بتسرب أيٍّ مما يقال إلى الخارج، ولا تُستخدَم فيها الجوالات الشخصية، وهناك عادة خطوط مؤمَّنة بأعلى درجات السرية. نحن أمام سؤالين استراتيجيين:
الأول: من سمح بعقد مثل هذا الاجتماع عبر تطبيق "سيغنال" التجاري، وعلى الضد من كل إجراءات الحماية الاستخبارية المطلوبة؟
الآخر: وهو الأكثر حيرة، ويتعلق بكيفية إضافة اسم جيفري غولدبرغ، إلى قائمة المتحدثين، وهل الأمر مجرد خطأ إداري، أم أن هناك من استطاع اختراق التطبيق، وإضافة اسم الرجل؛ بهدف توجيه ضربة ساحقة ماحقة لترمب وإدارته؟ في كل الأحوال، لا ينبغي البحث عن الجواب، خارج السياق العام لما يحدث في واشنطن، حيث الهدف الأكبر والأخطر، هو هدم "الكاتدرائية الأميركية التقليدية"، واستيلاد أميركا الأخرى.
لفظة الكاتدرائية هنا لا تعني مكان العبادة الروحي، بل المؤسسة التقليدية البيروقراطية، التي قامت عليها الدولة المعروفة، وفي المقدمة منها ما يعرف بالمؤسسة العميقة، حيث التشابكات والترابطات بين الاقتصاد والعسكرة والسياسية.
دلف ترمب وجماعته إلى البيت الأبيض وفي أذهانهم مخطط لتغيير وجه البلاد التي حرفها وجرفها اليسار الديمقراطي المتطرف بقيادة جو بايدن وكامالا هاريس، وقد كان الهدف مقبولاً جداً من الجماهير الأميركية الغفيرة، تلك التي صوَّتت للرئيس السابق وأعادته إلى البيت الأبيض من جديد.
غير أن المشهد مضى في طريق آخر، حيث بدا وكأن سيد البيت الأبيض، قد أوكل للفتى المعجزة إيلون ماسك التخلص من أركان تلك الدولة العميقة، ولم يعد سراً أنه مضى في طريق تفكيك وربما لاحقاً تفخيخ، أساسات تلك الجماعات ذات النفوذ، بدءاً من المجمع الاستخباري، مروراً بالبنتاغون، وصولاً إلى أروقة الخارجية، بحيث بدا المشهد وكأنه انقلاب ضد الدولة الفيدرالية البيروقراطية.
هنا يتساءل البعض في قلب واشنطن: "هل كان إقحام اسم غولدنبرغ أمراً مقصوداً من جانب بعض تلك الجهات التي تتعرض للعسف والخسف، وبهدف إظهار الفوضى العارمة والافتقاد لأدنى درجات الكفاءة والمسؤولية داخل إدارة ترمب، حيث ما جادت به الأقدار يعكس مستوى غير مسبوق من اللامبالاة والاستهتار؟ في ردة الفعل الأولى لصاحب المكتب البيضاوي على أزمة "أتلانتيك – غيت"، نجده يحاول التخفيف من وقعها، بالقول إنه يثق في قدرات مايك والتز الذي تعلم الدرس بالفعل.
غير أنه ومع ارتفاع أصوات الديمقراطيين في الكونغرس، وجلسات الاستماع التي تبدأ من عند رئيس مجمع الاستخبارات تولسي غابارد، بدا وكأن ترمب يبحث بالفعل عن كبش فداء يحمّله وزر الفضيحة.
تعكس نصوص المحادثات التي جرت، رؤية نائب الرئيس لمستقبل البلاد، حيث يعد أن الضربات الموجهة للحوثي ليست استراتيجية في ذاتها، بقدر ما كانت "رسالة لإظهار القوة على الساحة العالمية".
هذا التصريح - المسرب - حكماً سوف يرتد في موسكو وبكين، وعند الكثير من القوى الدولية متوسطة الأوزان، عبر السير من جديد في طريق العسكرة، وهذه قضية تستحق مراجعة أخرى.
أما السر الأكبر والأشد هولاً فيما جرى، فيمكن تلخيصه بالقول إن إدارة ترمب تعمل في "التفريعة"، أي في جانب بعيد عن إجراءات الدولة الاتحادية التقليدية.
اختيار "سيغنال" هو تنفيذ لما ورد في مشروع 2025، الصادر عن مؤسسة "هيرتاج" (التراث) التي تشكل العقل الفاعل والنافذ وراء هذه الإدارة. أوصى المشروع باستخدام تطبيقات مشفرة لإدارة شؤون الدولة؛ بهدف التحايل على قوانين حفظ السجلات الرسمية.
هل أميركا منقسمة في داخلها من جديد، بحيث ينفتح المجال العام لتحقق استشرافات النرويجي الكبير يوهان غالتونغ عن نهاية الدولة الفيدرالية الأميركية؟
الشرق الأوسط اللندنية