بعد أكثر من 3 أسابيع من الحرب، وقبل انتهاء مهلة الـ 48 ساعة التي حددها الرئيس الاميركي دونالد ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز بالكامل والا فإن الولايات المتحدة ستضرب وتدمر محطات الطاقة فيها، فاجأ ترامب العالم بإعلانه أمس أن واشنطن وطهران عقدتا محادثات "جيدة ومثمرة للغاية" على مدى اليومين الماضيين للتوصل لحل كامل لحالة العداء مع إيران، وانه سيؤجل شن ضربات عسكرية ضد مواقع الطاقة والكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام. فيما نفت إيران تصريحات ترامب، مؤكدة أنه لا توجد أي محادثات بين طهران وواشنطن، وان هذه التصريحات تأتي في إطار محاولات خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت.
ورغم ان اعلان ترامب جاء مفاجئا، لكن تمهيد الأرضية لمسار دبلوماسي محتمل كان ساري المفعول منذ أسبوع بحيث كان هناك مسعى من وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان الذين نقلوا خلال اليومين الماضيين رسائل بين الولايات المتحدة وإيران في إطار جهود دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد. وبحسب المعلومات، يشارك كل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في النقاشات القائمة أما عن الجانب الايراني فيشارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فيما أشارت مصادر الى ان من يجري المفاوضات هو رئيس البرلمان محمد قاليباف.
لكن، في وقت أكد فيه ترامب كما العديد من المعنيين أن المحادثات قوية وأن النتائج النهائية ستتضح فيما بعد، بدا غريبا الموقف الايراني الذي أنكر مسألة التفاوض، ما يدعو الى التساؤل: لماذا هذا النكران والغموض والتفاوض في الظل خصوصا وان معلومات صحافية أشارت الى ان عراقجي أبلغ ويتكوف سرا بموافقة مجتبى خامنئي على التفاوض؟.
ايران تنكر التفاوض لأنه بمثابة الاستسلام
مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات حسان قطب لفت في حديث لموقع "وردنا" الى ان هناك انقساما ايرانيا في الداخل. الاعتدال الايراني الذي يمثله عراقجي ورئيس الجمهورية، يحاول الحفاظ على النظام أما التطرف الايراني الذي يمثله الحرس الثوري، وقاليباف غير قادرين على تقديم صورة مغايرة، ويقولون انهم مستمرون بالمقاومة ويعدون المؤيدين بالنصر لأن المشروع الديني لا يمكن أن ينهزم. عراقجي منذ أيام قليلة اتصل بالعديد من المرجعيات في مختلف الدول لايجاد حل لأن ما يجري يجعل ايران في عزلة عالمية بحيث انه على المدى القصير يمكنها ايذاء الدول القريبة وربما البعيدة كما تفعل حاليا لكن على المدى الطويل فتتحول الى بلد معزول وغير مرغوب في اقامة أي علاقة معه ان كان على المستوى الغربي او الاوروبي او العربي، حتى الصين باتت منزعجة منها. الكل بدأ في الاستعداد لفتح مضيق هرمز، وتهديد ترامب بدأ في التبلور اذ ان كوريا الجنوبية واليونان أعلنتا الاستعداد في المساندة وبريطانيا أرسلت الغواصة النووية الى بحر العرب. ايران تتخوف من ان تحتل أميركا مضيق هرمز بقوة دولية، وتحتل جزيرة خرج التي تتحكم بالصادرات النفطية الايرانية. وبالتالي، ايران تحاول اليوم المساومة للحفاظ على النظام، ولم يعد لديها القدرة على التوسع في الخارج أو حماية أذرعها نتيجة الضعف المالي والعسكري والتدمير المنهجي والقتل. وسواء استمر النظام أو تغير سيبدأ من الصفر. اذا، التفاوض قائم، وترامب يفصح عنه لأنه يبرر عدم تنفيذ تهديده بعد مرور 48 ساعة. اما ايران، فلا يمكنها الاعتراف اليوم بالتفاوض لأنها تبدو وكأنها تستسلم مع العلم ان الاتفاق الذي يريده ترامب شبه استسلام، ونتنياهو قال اول من امس انه متفق مع ترامب ان السلام يُفرض لا يٌفاوض عليه. الامور متجهة في ضبط ايران وآدائها في حال تم الاتفاق. الشروط الاميركية قاسية، منها معلن ومنها غير معلن. المعلن هو النووي والصواريخ والاذرع أما غير المعلن هو الاشراف الاميركي على تصدير النفط والغاز والامساك الاميركي بالتحويلات المالية كما يحصل في العراق وفنزويلا، وهكذا تضمن أميركا بالتزام ايران بعدم تطوير بنيتها العسكرية أو عدم دعم الاذرع. نلاحظ ان الادارة الاميركية أنهت ملف فنزويلا، وانتقلت الى ايران لتأمين الاسواق من النفط الفنزويلي. جزيرة خرج قد تكون بإدارة الشركات الاميركية، وهكذا تكون أميركا أصبحت ممسكة بكل اقتصاد العالم من خلال الامساك بالنفط بحيث الروسي يبيع على الهامش، والصين التي يقوم نموها الاقتصادي على النفط، تصبح رهن الادارة الاميركية خصوصا ان الطاقة هي التي ستحدد النمو ومستقبل الاقتصاد في العالم.
على أي حال، ما يهم اللبنانيين من التفاوض ونجاح مساره هو تداعياته وانعكاساته على الساحة الداخلية في ظل الحديث عن حرب قاسية سيشهدها لبنان في المرحلة المقبلة أو بعد انتهاء الحرب في ايران. وتشير بعض التحليلات والمعلومات المتداولة إلى أن إيران تسعى لربط أي تفاوض مع الولايات المتحدة بملفات المنطقة، وعلى رأسها لبنان لضمان دور حلفائها (حزب الله) في أي تسوية شاملة. وهنا نسأل: هل ستنفرج وتهدأ الحرب في لبنان أو ان المسار الايراني بات منفصلا عن المسار اللبناني؟ وما هو المخرج أو المخطط الذي يُرسم للبنان في الاشهر القليلة المقبلة؟
الاتفاق الاميركي- الايراني لن يشمل الملف اللبناني
مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات حسان قطب، يقول ان القرار أصبح في يد اسرائيل بعد أن دخل حزب الله في الحرب بقرار من ايران. حتى لو حصل اتفاق في الملف الايراني، فلن يشمل الملف اللبناني. القراءة الاميركية الاسرائيلية لواقع المنطقة بعد طوفان الاقصى تشير الى ان أميركا لا يمكنها البقاء في المنطقة بأساطيلها دفاعا عن اسرائيل، والحل الوحيد هو ضمان أمن اسرائيل التي يجب ان تكون قوية، ويكون محيطها ضعيفا. لذلك،اذا اكتفت ايران بالاحتفاظ بالنظام دون التوسع الى المنطقة، ينتهي دور حزب الله. المطلوب اليوم من الدولة اللبنانية الامساك بالساحة، وبما ان الجيش عاجز عن تنفيذ حصرية السلاح ليس بسبب ضعفه انما بسبب عدم وجود القرار السياسي في هذا الاطار، فإن اسرائيل تريد الاستمرار في حربها للقيام بما لم تفعله الدولة اللبنانية، وهذا ما نسمعه على لسان العديد من المسؤولين الاسرائيليين. حين نتحدث عن دمار 8 كيلومتر على طول الحدود اللبنانية يعني اننا نتحدث عن عشرات القرى من الناقورة الى كفرشوبا وشبعا. هذا أمر خطير. وفي حال، قرر الحزب التوقف عن القتال، فإسرائيل لن تقبل قبل القضاء على الخطر الذي يهددها، ولن تعيد سيناريو اتفاق وقف اطلاق النار عام 2024، لأنها تعتبره مرحلة يستفيد منها ليلتقط أنفاسه. اذا حصل الاتفاق بين أميركا وايران، الحزب سيكون في موقف محرج لأن ايران تكون استسلمت، وانتهى دورها في الشرق الاوسط. ما هو مبرر الحزب حينها للاستمرار في الحرب؟. وماذا سيقول لمؤيديه أو لبيئته الحاضنة؟. وما الهدف من الاستمرار في المعركة؟. ماذا سيقول لهؤلاء الذين خسروا ممتلكاتهم وأرضهم وبيوتهم ومؤسساتهم ومصدر رزقهم بالاضافة الى دمار البنى التحتية؟.
تدخل دولي لحسم قضية السلاح في لبنان
واعتبر قطب ان الدولة اللبنانية ستكون في المرحلة اللاحقة أمام خيارين: اما ان تكون غائبة أو تتصرف مع الحزب بشكل يتلاءم والتطورات الاقليمية. الجيش اللبناني يعلم كل شيء عن الحزب، وهو متعاون معه، وينسق معه. وأميركا فقدت الثقة بالجيش اللبناني خصوصا بعد أن أصدر بيانا أكد فيه حصر السلاح جنوب الليطاني، ليتبين لاحقا ان الصواريخ تنطلق من جنوب الليطاني. كيف دخل هذا السلاح دون معرفة الجيش؟ أميركا تريد اضعاف الحزب لتصبح الدولة قادرة على بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، والا سيكون هناك تدخلا دوليا لضبط الامور في لبنان ليس حرصا على اللبنانيين بل للحفاظ على أمن اسرائيل لأن الاستراتيجية الاميركية اليوم تتمحور حول أمن اسرائيل ودعمها عسكريا كي تكون قوية بمحيط ضعيف. المطلوب ضبط الساحات المحيطة بإسرائيل.
وبناء لما تقدم، يضيف قطب، فإن أميركا هي من سيحدد الحصص في المنطقة. ولن يرضى الاميركي ولا الاسرائيلي ان يستمر حزب الله كما هو عليه. لذلك، يتم العمل على حل كامل وليس تسوية كما تريد ايران. قرار مصير الحزب اليوم بات في يد أميركا واسرائيل وليس ايران. وطالما، تثبت الدولة عجزها في فرض هيبتها، فنحن أمام تدخل دولي لحسم الموضوع في لبنان على طريقة غزة أي قوات تحالف دولي تحكم بمعنى آخر نصبح تحت الوصاية الدولية.


