عام 1991 تم اقرار آخر عفو عام شامل أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية، ومنذ ذلك التاريخ عاد القانون إلى الواجهة السياسية مرات عدة دون أن يقر بصيغته الشاملة بسبب التباين في وجهات النظر بين القوى السياسية، والتي بدت واضحة خلال النقاشات في اللجان النيابية المشتركة، ما استدعى دخول رئيس الجمهورية جوزيف عون على الخط في محاولة لتذليل العقبات، وعقد اجتماعا في قصر بعبدا، حضره وزير الدفاع ميشال منسى والعديد من النواب الذين يمثلون مختلف الكتل النيابية باستثناء "الثنائي الشيعي".
ملف العفو العام يعد من الملفات الحساسة وله مفاعيل وتداعيات تنذر بانفجار اجتماعي اذا لم يتم التوصل الى اقرار صيغة نهائية ترضي كل المكونات خصوصا ان هناك مساجين موقوفين في السجون منذ سنوات دون إخضاعهم لأي نوع من أنواع المحاكمات ما تسبب بتفاقم أزمة اكتظاظ السجون والانقسامات السياسية اذ كان من المقرر أن تعقد اللجان النيابية اليوم الاثنين جلسة لحسم ملف قانون العفو العام الا انه تم تأجيلها الى موعد لم يُحدد بعد ما يشير الى حجم الخلافات والتباين في مقاربة هذا الملف. ولعل أبرز النقاط الخلافية تتمحور حول الاستثناءات من العفو العام في ملفات متعددة بالاضافة الى تعريف وتوصيف بعض الارتكابات فيما يتعلق بالمخدرات والتجارة والترويج بالاضافة الى تخفيض العقوبات واحتساب احكام الإعدام بين من يريد أن تصبح 25 سنة سجنية، ومن يريدها 20 او 15، وتخفيض أحكام المؤبد واحتسابها على اساس 20 او 15 سنة سجنية.
وبغض النظر عن المعلومات التي أشارت الى ان اجتماع بعبدا شكّل السبب الرئيس لإلغاء الجلسة اليوم، والمعطيات التي أكدت ان اجتماع القصر الجمهوري كان جيدا وايجابياً رغم أنه لم يتم التوصل خلاله الى تفاهم بين وزير الدفاع والنواب السنّة فيما يتعلق بملف الموقوفين الاسلاميين في السجون خصوصا أولئك الذين ارتكبوا جرائم بحق العسكريين، أكدت مصادر مطلعة لموقعنا ان هذا الملف الانساني والقانوني الذي يجب أن يدرس بموضوعية وتعقل بعيدا عن الطائفية، بدأت تدخل في مسار نقاشاته، الحسابات السياسية اذ تعمد بعض القوى الى استثماره شعبويا وانتخابيا، وهذا أمر خطير جدا، وسيكون له تداعيات سلبية على البلد برمته. المطلوب اليوم اقرار قانون منصف وعادل وشفاف، وإقفال هذا الملف الشائك منذ سنوات طويلة.
المحلل السياسي والمحامي أمين بشير يقول لموقع "وردنا" ان قانون العفو العام الذي يطرح في شكله الحالي يدغدغ مشاعر أغلبية اللبنانيين لأن السلطة تحاول اظهاره انه يشمل كل المظلومين في الطوائف اللبنانية، لكن اذا بحثنا في تفاصيل القانون، نجد ان هناك محاولة استغلال أو استثمار في الورقة السنية أي في ملف الموقوفين الاسلاميين من قبل الطوائف الاخرى ربما لانهاء الملفات القضائية العالقة ان كان لناحية الملفات المتعلقة بالطائفة الشيعية أي المخدرات وتجارها ومروجيها الكبار. وان كان ملف المبعدين الى اسرائيل اذ ان هذا الموضوع يدغدغ مشاعر الطائفة المسيحية التي تعتبر ان هؤلاء ظلموا ويجب اعادتهم الى وطنهم. وبالتالي، في ملف الموقوفين الاسلاميين، ليس المطلوب أكثر من العدالة. لو طبقت القوانين على ملف الموقوفين الاسلاميين بحيث يعاقب المرتكب وفق القانون، ويخرج البريء من السجن لكنا وفّرنا كل هذا الجدل. لكن، لا يبدو ان النقاش في ملف الموقوفين الاسلاميين يهدف الى تحقيق العدالة وفق القوانين المرعية الاجراء انما يتم استغلاله لتمربر الملفات القضائية الاخرى. وهنا لا بد من الاشارة الى ان الدولة اللبنانية مع كل التغيير السياسي الذي حصل في المنطقة وسوريا ان تغيّر نظرتها للموقوفين الاسلاميين اذ ان النظام الحالي الذي كان متهما بالارهاب، تتم مناصرته اليوم، فيما بقي ملف الموقوفين الاسلاميين عالقا في لبنان حتى ان الدولة السورية استطاعت ان تفرز الموقوفين السوريين الاسلاميين، وتنقذهم من خلال الاتفاقية بين الدولة اللبنانية والدولة السورية. ما يؤكد ان ملف الموقوفين الاسلاميين فيه من الظلم بحيث ان العدالة لا تكون استنسابية خصوصا واننا رأينا الجرائم التي ارتكبت بحق ضباط في الجيش اللبناني، ولم ينل المرتكبون عقابهم. الملف معقد، وفيه تفاصيل دقيقة، ولا بد من العدالة المتساوية بين كل المواطنين، وهذا ليس موجودا في ملف الموقوفين الاسلاميين ولا في ملف المبعدين الى اسرائيل.
هذا وتضغط قوى مسيحية، وعلى رأسها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، لشمول اللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل عام 2000 وما بعدها في أي قانون عفو مرتقب اذ قال الراعي في عظته الأخيرة:"بالنسبة إلى قانون العفو العام الذي سيُحال من اللجان المشتركة إلى الهيئة العامة في المجلس النيابي، فيجب أن يشمل الأشخاص المذكورين في البند ٢ من القانون رقم ١٩٤ تاريخ ٢٠١١، المنشور في الجريدة الرسمية 55 بتاريخ 24/11/2011. لكن هذا القانون لم ينفَّذ بسبب عدم صدور المراسيم التطبيقية، فيما هو يعالج أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل".
ويرى بشير ان كل طائفة لديها هواجس من ملف الطائفة الاخرى. الطائفة المسيحية لديها مشكلة مع من ارتكب جرائم بحق الجيش من الموقوفين الاسلاميين الذين هم بأعداد محدودة جدا، لذلك، ترغب القوى المسيحية الا يشمل العفو العام هؤلاء. بينما لدى الطائفة الشيعية هواجس وخوف من ان يطال العفو العام، الفارين الى اسرائيل الذين كانوا في جيش لحد. لكل هذه الاسباب، لا يجد قانون العفو العام سبيله الى الاقرار، وتم تأجيل جلسة اليوم الى أجل غير محدد.


