كشفت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين عن اتساع الفجوة في ميزان القوة داخل ما يُعرف بـ"الشراكة بلا حدود" بين موسكو وبكين، بعد أكثر من 4 سنوات على إطلاق هذا الوصف قبيل الحرب الروسية-الأوكرانية.
ووفقًا لـ"فورين بوليسي"، تزامنت الزيارة، وهي الأولى لبوتين خارجياً في عام 2026، مع استمرار اعتماد روسيا المتزايد على الصين اقتصادياً واستراتيجياً، في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا وتباطؤ الاقتصاد الروسي، بينما بات الرئيس الصيني شي جين بينغ الطرف الأكثر قدرة على رسم شكل العلاقة وحدودها.
ومنذ عام 2022، وفرت بكين متنفساً للاقتصاد الروسي عبر شراء النفط والغاز الروسيين، إلى جانب تزويد موسكو بالآلات والمكونات الإلكترونية والسلع ذات الاستخدام المزدوج، التي تعتمد عليها الصناعات الدفاعية الروسية، بما في ذلك إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ المستخدمة في الحرب الأوكرانية.
وفي المقابل، لم تحقق موسكو خلال الزيارة ما كانت تأمله بشأن مشروع خط أنابيب "قوة سيبيريا 2"، المخصص لنقل 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال سنوياً من غرب سيبيريا إلى شمال شرق الصين عبر مسافة تبلغ 2600 كيلومتر.
ورغم الموافقة المبدئية من شركتي "غازبروم" الروسية و"سي إن بي سي" الصينية على المشروع، لا تزال الخلافات قائمة حول الأسعار وشروط التوريد، مع تمسك بكين بموقف تفاوضي صارم. كما لم يؤدِ إغلاق مضيق هرمز، وما سبّبه من تهديد لإمدادات الغاز الطبيعي المسال، إلى أي تغيير في موقف بكين.
وتعتمد روسيا بشكل متزايد على السوق الصينية بعد خسارة جزء كبير من الأسواق الأوروبية، بينما تمتلك الصين خيارات متعددة لتأمين احتياجاتها من الغاز، عبر استثماراتها في الطاقة المتجددة والفحم، وعقود طويلة الأجل مع موردين من أستراليا وماليزيا وإندونيسيا والولايات المتحدة وروسيا.
ويستحضر هذا الوضع تجربة مشروع "قوة سيبيريا 1"؛ إذ استغرقت المفاوضات أكثر من عقد قبل أن تقبل موسكو بالشروط الصينية، التي تضمنت أسعاراً أقل من تلك التي كانت تدفعها الأسواق الأوروبية، إلى جانب تحمل روسيا تكاليف إنشاء خط الأنابيب.
وتُعد الصين حالياً السوق الرئيسية للنفط الروسي؛ إذ تستحوذ بكين على 50% من صادرات الخام الروسية، بما يمثل 18% من واردات الصين النفطية، فيما تحصل الشركات الصينية على النفط الروسي بأسعار مخفضة نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
كما تعكس طبيعة التجارة بين البلدين اختلال التوازن في العلاقة؛ إذ تصدّر روسيا النفط والغاز والمعادن والمنتجات الزراعية، بينما تستورد من الصين الإلكترونيات والسيارات والمعدات الصناعية والسلع الاستهلاكية.
وحلت الشركات الصينية محل الشركات الغربية واليابانية والكورية الجنوبية التي غادرت السوق الروسية بعد عام 2022، لترتفع حصة السيارات الصينية الجديدة في روسيا من أقل من 20% إلى 57% بين عامَي 2022-2025. كما بدأت شركات صينية بالتعاون مع المصانع الروسية التي استحوذت على أصول الشركات الغربية، بما في ذلك مصنع "فولكسفاغن" السابق قرب مدينة كالوغا الذي بات ينتج سيارات لشركة "شيري" الصينية.
وفي الوقت نفسه، لا تركز الاستثمارات الصينية في روسيا على نقل التكنولوجيا أو رفع الإنتاجية، بينما يواجه الاقتصاد الروسي تباطؤاً في النمو؛ ما دفع بعض الشركات الصينية إلى القلق من تراجع فرص الأعمال داخل روسيا.
وتتزايد داخل روسيا الأصوات المحذرة من التحول إلى "شريك أصغر" للصين، من بينهم المحلل الروسي ديمتري ترينين الذي شدد على ضرورة الحفاظ على علاقة متكافئة مع بكين.
كما تنظر موسكو إلى علاقتها مع الهند باعتبارها وسيلة لتقليل الاعتماد المفرط على الصين، في وقت تواصل فيه بكين تبني موقف رسمي محايد تجاه الحرب في أوكرانيا، مع الحفاظ على علاقاتها مع كييف.
ومع استمرار الحرب، تبدو الصين في موقع أكثر قوة داخل العلاقة الثنائية، في حين يتقلص هامش المناورة الروسي مع تعمّق النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي الصيني داخل روسيا، واتّساع الروابط التجارية والبشرية بين البلدين.


