كتب رئيس التحرير
يجلس الزائر في مكتب مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، فلا يجد متسعاً لترف التنظير.
هنا، في هذه المؤسسة التي تتقاطع عندها خطوط السياسة والأمن والخدمة الإدارية، تشعر أنك أمام ورشة عمل لا تهدأ، تُدار بعقلية "رجل المؤسسات" الذي يرفض الاستسلام لمنطق الانهيار اللبناني.
في زمن التحلل المالي، وسقوط الهياكل الإدارية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة، ينهض الأمن العام بقيادة اللواء شقير كجزيرة من النظام وسط بحر من الفوضى. المعادلة التي يشتغل عليها شقير تكاد تكون إعجازية في الواقع اللبناني الراهن:
كيف تطور جهازاً، وتُحدث إدارته، وتؤمن وثائقه البيومترية، وتصون كرامة العسكري والمواطن معاً، والميزانيات شبه معدومة؟
الجواب يكمن في "الرؤية الإدارية الشجاعة". لم ينتظر اللواء شقير هبات السماء، ولم يستسلم لبكائيات العجز المالي. أدرك مبكراً أن الأمن ليس مجرد بندقية، بل هو أولاً كفاءة إدارية، وثقة مؤسساتية، وكرامة تبدأ من تأمين جواز السفر للمواطن ولا تنتهي عند ضبط الحدود وحماية السلم الأهلي.
بأسلوب هادئ، وبعيداً عن صخب الاستعراض الإعلامي، أطلق اللواء شقير حركة نهوض واسعة داخل المديرية. أعاد هيكلة القطاعات الإدارية، وفعل المكننة، وضرب طوابير السماسرة، معيداً إلى المرفق العام هيبته المفقودة.
لكن الميزة الأبرز في تجربة شقير الحالية هي الانحياز المطلق للعنصر البشري. يعلم اللواء، القادم من مدرسة الانضباط والوفاء للمؤسسة، أن العسكري الجائع لا يمكنه حماية وطن. لذلك، وضعت القيادة الجديدة ملف الطبابة، والمساعدات الاجتماعية، والتحفيز المعنوي والمادي للمأمورين والمفتشين والضباط في رأس أولوياتها. إنها عملية "ترميم الكرامة" لعسكر يقف على خطوط التماس مع الأزمات اليومية.
لا يكتفي حسن شقير بإدارة الأزمة. إنه يصنع من العجز فائض قوة. أثبتت المديرية تحت إشرافه أنها شريك حتمي في صياغة الأمن الإقليمي والدولي، من خلال تفكيك شبكات التجسس والإرهاب، دون أن تفقد لحظة واحدة دورها كصلة الوصل الأرقى بين الدولة وأبنائها.
حين تكتب تاريخ العبور اللبناني من قاع الانهيار إلى ضفة البقاء، سيتوقف المراقبون طويلاً عند تجربة الأمن العام. سيكتشفون أن الإرادة، عندما تقترن بنظافة الكف والرؤية الإدارية الحديثة، قادرة على اجتراح المعجزات. حسن شقير يثبت يومياً أن الدولة لم تمت، طالما أن هناك من يؤمن بأن الخدمة العامة هي شرف، وأن الأمن هو الملاذ الأخير لفكرة لبنان.


