يستعد لبنان لجولة مفاوضات جديدة في روما يومي 14 و 15 تموز الجاري اعتبرت محطة هامة لاثبات قدرة الدولة على تنفيذ أو ترجمة بنود الاتفاق الاطار في المناطق التجريبية اذ تشير المعطيات والواقع الميداني والانقسام بين الاطراف في الداخل بالاضافة الى المواقف الاسرائيلية المتضاربة التي تتراوح بين الاعلان عن انسحاب من منطقة تجريبية خلال أيام وبين الحديث عن التريث لأسابيع عدة أو حتى المناورة الى حين انتخابات الكنيست المقررة في تشرين الاول المقبل، الى وجود عقبات عدة ربما تحول دون تطبيق ما اتفق عليه بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي في واشنطن.
ووسط التجاذبات الداخلية، والمناورات الاسرائيلية، تأتي زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون الى الولايات المتحدة الاميركية ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 21 الجاري في البيت الأبيض في مرحلة هامة وحاسمة لناحية اختبار "المناطق التجريبية" خصوصا انه يتم التعويل على الضغط الاميركي على إسرائيل للالتزام بالاتفاق، والبدء فعلياً بالانسحاب من الجنوب، وهذا ما لفت اليه الرئيس عون حين اعتبر ان الولايات المتحدة تمثل رهان لبنان الوحيد المتبقي لوقف التدحرج العسكري ومنع توسيع الاحتلال.
وفي هذا السياق، اعتبر الوزير السابق فارس بويز في حديث لموقع "وردنا" ان أهمية أي زيارة تكون في مضمونها ونتائجها. مجرد الزيارة او اللقاء في الحياة السياسية ليس بهذه الاهمية انما الاهمية تكمن في النتائج. وفي حال زيارة رئيس الجمهورية لم تحقق تغييرا جذريا فيما يسمى بالاتفاق الاطار، اعتقد انها لن تكون مفيدة أو مهمة ولن تغير أي شيء. نـأمل أن تنجح الزيارة بإجراء تعديلات أساسية في الاتفاق على 3 مستويات: أولا، توضيح الانسحاب الاسرائيلي لما وراء الحدود المعترف بها دوليا لأنه كما جاء في الاتفاق، فإن هذا الامر غامض جدا. ثانيا، من المفروض في المناطق التجريبية ليس الانسحاب الاسرائيلي من بلدة أو بلدتين فقط، وبعدها تتحجج اسرائيل أن الجيش اللبناني لم ينفذ الاتفاق كما يجب، فتمتنع عن الانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة. واذا سلمنا بهذا الامر، نكون نشرعن او نقر بالوجود الاسرائيلي في لبنان. ثالثا، حق الرقابة او الحكم على الخطوة الاختبارية لناحية نجاحها أو عدم نجاحها في يد الحكم والفريق في الوقت عينه أي أميركا واسرائيل. وأميركا لن تختلف مع اسرائيل تحت أي حجة. وبالتالي، لماذا لا تشارك قوى أو دول أخرى في المراقبة؟. رابعا، الاتفاق لا يتكلم عن حل مشكلة الفلسطينيين في لبنان. في المحصلة، اذا استطاعت الزيارة تطوير الاتفاق تكون ناجحة أما اذا كانت بروتوكولية، وتهدف فقط الى اعطاء الرئيس ترامب صورة الانتصار الاعلامي قبل الانتخابات النصفية، لا يكون للقاء معنى جوهري. نحن نحترم من يتحدث عن السيادة والاستقلال وفصل الملفات في التفاوض وعدم دمج الملف اللبناني بالملف الاقليمي، لكن هل يُعقل ان يسلم حزب الله سلاحه قبل الحصول على ضوء ايراني؟. وهنا نشير الى ان سحب السلاح مبني على معطيين: التفاهم الاميركي -الايراني حول هذا الموضوع، وعلى اتفاق عادل يضع الدولة في موقع قوة لتتمكن من تنفيذه على عكس الاتفاق الاطار الحالي الذي سيعطي المقاومة الحجة للاحتفاظ بسلاحها، وسيخوّن الدولة اللبنانية، وسيفجر البلاد من الداخل، وهذا ربما ما تريده اسرائيل التي لا تراهن على قدرة الدولة في تنفيذ الاتفاق بقدر ما تراهن على ان الاتفاق سيفجر الوضع اللبناني الداخلي.
وعن الوعد الاميركي بمساعدة لبنان، اشار بويز الى انه لا يجوز أن نتكل على أي طرف او دولة انما علينا الاتكال على خبراتنا وعلى التاريخ والماضي. لو اختلف الرئيس ترامب مع نتنياهو قليلا اليوم لكن أميركا حليف مطلق لاسرائيل، وستتبنى بشكل مطلق المطالب الاسرائيلية. اذا، لا يمكن تغيير الموقف الاميركي لصالحنا ضد اسرائيل. وعلينا الخروج من وهم ان أميركا الدولة العظمى ستتمسك بأصدقائها، وتاريخها في هذا الاطار مخيف بعض الشيء. والتاريخ يشهد على ذلك في أكثر من محطة لبنانية وعربية ودولية. بالنسبة للاميركيين، نحن ورقة، واذا لم تحقق هذه الورقة مصالحهم الاقليمية والدولية او حتى الانتخابية، يمكن ان يتخلوا عنها. أميركا كما قال تشرشل ذات يوم: من الصعب جدا ان تكون عدوا لأميركا لكن من الجنون ان تعتقد انك صديقا او حليفا لها. لبنان لا يشكل ورقة استراتيجية بالنسبة لاميركا انما ورقة تكتيكية. لذلك، علينا تصحيح المفاهيم، ولا يجوز الاستمرار في الوهم اننا اكتسبنا او أصبحنا اصدقاء او حلفاء مع أميركا التي لن تقوم بالكثير من أجل لبنان. لا يفيدنا أي شيء اذا انفجر الوضع الداخلي.
انطلاقا من هذه المعطيات، ما أهمية الاستمرار في التفاوض؟ يجيب بويز : نحن مضطرون للاستمرار في التفاوض في روما أو في أي مكان آخر كي لا نلبس لباس السلبية، او نتهم بالتعنت ورفض الحلول الديبلوماسية. ثم من يدري في موازاة التفاوض لا يحصل أي تغيير اقليمي او دولي يحسن موقعنا في التفاوض. علينا الاستمرار في التفاوض لكن هذا لا يعني حرق الاوراق او الاستسلام او حرق المراحل. والعبرة في التفاوض تبقى في النتيجة لأن لبنان لا يحتمل النتائج السلبية، ولا يمكن الوعد بشيك بلا رصيد. وهنا لا بد من الاشارة الى ان البعض يصور الجيش اللبناني وكأنه روبوت، وهذا غير صحيح لأن الجيش اللبناني على صورة المجتمع اللبناني. هذا الجيش لم يعمل بفاعلية الا عندما توفر الوفاق الوطني حول دوره مثل حرب فجر الجرود وفي البداوي. وفي الامس القريب، رأينا ما حصل في حادثة صخرة الروشة حيث الجيش لم يتدخل في قضية تشكل انقساما وطنيا. لا يجوز ان نحلم بصور غريبة عجيبة، وكأن الجيش يتحرك بكبسة زر. الجيش وليد مجتمعه، ويتأثر بحالة الانقسام. ومن يقولون ان الجيش لن ينقسم يجهلون التاريخ. ونسأل: ماذا حصل سنة 1958 و 1976 و1983 و1988؟.


