لبنان

التوأم الغامض لـ"علي الطاهر".. ماذا يخفي "الحزب" تحت جبال الهرمل؟


التوأم الغامض لـ

كشفت معلومات خاصة لـ"إرم نيوز" عن وجود منشأة عسكرية ضخمة لحزب الله تحت الأرض في البقاع الشمالي قرب الحدود السورية، تماثل من حيث أهميتها الاستراتيجية المنشأة الموجودة تحت تلة علي الطاهر جنوبي لبنان، وتشكل أحد أبرز الأصول العسكرية التي احتفظ بها الحزب في عمقه اللبناني بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.

وقال مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" إن المنشأة ليست مجرد مخزن للسلاح أو شبكة أنفاق تكتيكية، بل مجمع عسكري كبير تحت الأرض، اكتسب أهمية مضاعفة خلال الحرب الحالية، خصوصاً بعدما تضررت أجزاء واسعة من البنية العسكرية للحزب في الجنوب والبقاع، وتراجعت قدرته على استخدام الأراضي السورية ممراً مفتوحاً للإمداد.

ولا يحدد المصدر الموقع الدقيق للمنشأة، لكن تتبع المعلومات المنشورة خلال السنوات الماضية يقود بصورة لافتة إلى نطاق الهرمل في أقصى شمال البقاع، حيث تظهر سلسلة من التقارير الإسرائيلية والغربية وجود بنية عسكرية عميقة للحزب تشمل منشآت صاروخية وأنفاقاً استراتيجية ومخازن ومواقع تدريب مرتبطة بالحدود السورية.

خيط يعود إلى 2017
أقدم الخيوط المهمة ظهر في يوليو/تموز 2017، عندما كتبت نشرة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية المتخصصة بالشؤون الاستخباراتية أن إيران وحزب الله يعملان على إنشاء مصنع صواريخ تحت الأرض قرب الهرمل، مخصص لإنتاج صواريخ "فاتح-110" متوسطة المدى.

وتحدثت التقارير آنذاك عن منشأتين تحت الأرض، إحداهما في منطقة الهرمل والأخرى في جنوبي لبنان بين صيدا وصور. كما أعاد مركز "ألما" الإسرائيلي لاحقاً الإشارة إلى المنشأة، قائلاً إنها أُقيمت تحت الأرض ضمن مشروع إيراني لتطوير قدرة حزب الله على تصنيع الصواريخ داخل لبنان.

لكن ما يجعل خيط الهرمل أكثر أهمية اليوم أن المنطقة لم تفقد دورها بعد حرب 2024، بل تحولت إلى واحدة من أهم عقد البنية العسكرية المتبقية للحزب.

مدينة عسكرية تحت الجبال
في أكتوبر/تشرين الأول 2024 كشف الجيش الإسرائيلي عن نفق استراتيجي بطول نحو ثلاثة كيلومترات يربط منطقة شمال الهرمل بالأراضي السورية، وقال إن النفق تديره الوحدة 4400 المسؤولة عن نقل الأسلحة إلى حزب الله، وإن منشآت على جانبيه استُخدمت للتخزين المؤقت للسلاح القادم عبر سوريا.

وفي تقرير حديث نشره مركز "ألما" في يوليو/تموز 2026، وصف شبكة الأنفاق التي أنشأها حزب الله خلال أكثر من عقدين بأنها مشروع ضخم يضم أنفاقاً استراتيجية وتكتيكية وأنفاق اقتراب وتهريب، مقدراً أن الاستثمار فيها بلغ مليارات الدولارات.

ويعني ذلك أن الحديث عن منشأة كبرى في البقاع قد لا يتعلق بنفق منفرد، وإنما بمجمع مترابط تحت الجبال يجمع التخزين والقيادة والإمداد وربما أجزاء من منظومة الصواريخ.

كما حدد "ألما" محور القصير السورية باتجاه شمال الهرمل باعتباره عقدة مركزية قديمة لنقل السلاح، مشيراً إلى أن الوحدة 4400 واصلت نشاطها على الحدود حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد، في محاولة لاستعادة أسلحة ومعدات بقيت في الجانب السوري.

ليست "جنتا"
يشير المصدر إلى ضرورة التمييز بين المنشأة في الهرمل وبين مجمع جنتا المعروف قرب الحدود السورية. فإسرائيل أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ضرب منشأة ضخمة تحت الأرض في جنتا مرتبطة بإنتاج الصواريخ الدقيقة، فيما يقول المصدر إن المنشأة المقصودة مازالت أصلاً عسكرياً مهماً للحزب في الحرب الحالية.

وتدعم ذلك الضربات الإسرائيلية المتكررة على نطاق الهرمل. ففي سبتمبر/أيلول 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ 12 غارة على مجمعات عسكرية في المنطقة، وقال إنها تضم معسكرات لقوة الرضوان ومخازن أسلحة ومواقع لتدريب المقاتلين.

الرضوان أم الوحدة 4400؟
لا تظهر المعلومات المتاحة أن المنشأة تتبع "وحدة بدر"، التي يرتبط ثقلها العملياتي أساساً بالجبهة الجنوبية. أما قوة الرضوان، فوجودها في البقاع الشمالي موثق، لكن ذلك لا يعني أن المنشأة تتبعها تنظيمياً. ويرجح المصدر أنها أصل استراتيجي مركزي لحزب الله تستخدمه عدة تشكيلات، بينما تتولى الوحدة 4400 جانباً من شبكة الإمداد المرتبطة بالحدود.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية كبرى بعدما أعاد الحزب خلال الحرب الحالية عناصر من الرضوان إلى الجنوب لمواجهة القوات الإسرائيلية. وأفادت "رويترز" في مارس/آذار بأن مقاتلي الوحدة الذين انسحبوا عقب حرب 2024 عادوا إلى بلدات المواجهة، بينها الخيام. وبذلك يصبح البقاع خزّاناً خلفياً يمكن منه إعادة تشكيل القوة وإمداد الجبهة، لا مجرد منطقة لتخزين الصواريخ.

علي الطاهر في الجنوب.. والهرمل في العمق
يقول الباحث السياسي اللبناني علي حمادة لـ"إرم نيوز" إن أهمية المنشأة الشمالية تكمن في اختلاف وظيفتها عن منشأة علي الطاهر، موضحاً أن الحزب بنى على مدى سنوات منظومة عسكرية موزعة جغرافياً بحيث لا يؤدي سقوط مركز واحد إلى انهيار بقية البنية.

ويرى حمادة أن منشآت البقاع القريبة من سوريا اكتسبت أهمية خاصة؛ لأنها كانت ترتبط تاريخياً بممر الإمداد الإيراني عبر الأراضي السورية، كما وفرت للحزب عمقاً بعيداً عن الحدود الجنوبية يمكن استخدامه لتخزين الأسلحة وإيواء وحدات ومراكز عسكرية وإعادة رفد الجبهة عند الحاجة.

ويضيف أن الحرب الحالية وضعت هذه المنشآت تحت ضغط غير مسبوق، بعدما تقلص هامش الحركة عبر سوريا وتعرضت طرق الإمداد والمخازن لضربات متلاحقة؛ ما يجعل ما بقي من البنية المحصنة تحت جبال البقاع جزءاً أساسياً من احتياط حزب الله الاستراتيجي.

وهنا تحديداً تكمن أهمية "التوأم" الآخر لعلي الطاهر؛ فإذا كانت منشأة الجنوب تمثل قلعة أمامية مرتبطة بالمواجهة مع إسرائيل، فإن منشأة البقاع تبدو أقرب إلى قلعة العمق التي تحمي ما تبقى من قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه وإدامة الحرب.

يقرأون الآن