برّي: الرئاسة شغلي الشاغل

سلك قانون التمديد سنة لقائد الجيش العماد جوزف عون ومن هم برتبة لواء من الضباط، طريقه من حكومة تصريف الاعمال، الى النشر (ربما اليوم) في الجريدة الرسمية وفق الاصول المرعية، ليدخل حيز النفاذ الفعلي. وليُحال أمره خلال الأسبوعين التاليين لنشره الى المجلس الدستوري، ربطاً بالطعن بهذا القانون، المحضّر من قِبل «تكتل لبنان القوي». فيما تبقى مسألة ملء شواغر المجلس العسكري معلّقة في انتظار أن يقدّم وزير الدفاع موريس سليم اقتراحاته في هذا الشأن الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للبتّ بها في مجلس الوزراء.

وإذا كان هذا التمديد قد تقدّم في الأيام الأخيرة على ما عداه من ملفات داخليّة، واتخذ صفة العجلة والأولوية تحت عنوان «الحفاظ على المؤسسة العسكرية واستمراريتها والنأي بها عن أي خلل وارباك»، الاّ انّ إقراره بالشكل الذي أُخرج به، أيقظ الحماسة السياسية للتفرّغ لإعادة تحريك «الاولوية الرئاسية» في اتجاه بلورة مخرج توافقي يفضي الى انتخاب رئيس للجمهورية خلال الاسابيع القليلة المقبلة، بدءًا من مطلع السنة الجديدة. وهو ما يجب أن يحصل كما أكّد رئيس المجلس النيابي نبيه بري لـ«الجمهورية»، باعتبار انّه « كلما تأخّرنا في التوافق الذي لا بدّ منه لانتخاب رئيس للجمهوريّة، تزداد التعقيدات، وتتفاقم الأضرار، وبالتالي لم يعد جائزاً على الإطلاق، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة، ومن ضمنها لبنان، إبقاء هذا الملف في مربّع النكايات والشروط التعطيلية».

وإذا كان بري يشدّد على أنّ أولوية حسم الملف الرئاسي، هي الأساس الذي ينبغي ان تنطلق منه السنة الجديدة، ويشاركه في ذلك الرئيس ميقاتي، حيث أنّ وضع لبنان، والظروف المحيطة به تحتّم ذلك. فإنّ معلومات موثوقة لـ«الجمهورية» تؤكّد أنّ الجهات السياسيّة المسؤولة المعنية بهذا الاستحقاق، وبناءً على ما استُجد من تطوّرات سواء في الميدان الفلسطيني او على الجبهة الجنوبية، بات يعتريها خوف جدّي من عامل الوقت، وخشية أكبر من عدم قدرة الواقع اللبناني، بوضعه الحالي الشاذ رئاسياً، على اللحاق بهذه التطورات والوقائع التي قد تنشأ عنها لاحقاً.

ونقل نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب عن الرئيس بري تأكيده بأنّ «شغله الشاغل بعد الأعياد انتخاب رئيس الجمهورية، وانّ هذا الموضوع ستكون له الاولوية عنده حتى انتخاب رئيس الجمهورية».

وإذا كانت هذه التطوّرات تفترض ان تشكّل في حدّ ذاتها، حافزاً لأطراف الصراع الرئاسي للسير في الخط المعاكس لمسار التعطيل المعتمد منذ ما يقارب سنة وشهرين، الّا انّها ، رغم المخاطر التي تحتويها، على مستقبل لبنان، لا تبدو انّها قد استحضرت العقلانية والواقعية إلى عقول التعطيل، بدليل عودة بعض الاطراف الى عزف اسطوانة الشروط التعطيلية ذاتها، والإصرار على مواصفات خلافية للرئيس العتيد وصبغه بألوان سياسية وحزبية معيّنة.

والرهان هنا، كما تقول مصادر سياسية مسؤولة، على الحراك الخارجي المنتظر، سواءً من قِبل القطريين، او من قِبل الفرنسيين، الذين ابلغوا المستويات الرسمية في لبنان عزم باريس على اطلاق حراك نوعي اكثر زخماً من السابق، بعد رأس السنة. ووزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا نبّهت الى انّ لبنان على حافة احتمالات صعبة، لا بدّ له من ان يعمل لاحتوائها ومنع حصولها، سواءً بعدم مفاقمة التصعيد على الحدود الجنوبية، وكذلك بعدم تأخير انتخاب رئيس للجمهورية. كاشفة في هذا السياق أنّ الحركة الفرنسية المتجددة، تهدف إلى جعل بلورة توافق على انتخاب رئيس للجمهورية، أمراً ميسّراً في هذا الوقت.

وإذ لاحظ مرجع سياسي مسؤول «أنّ دول الخارج تسبقنا في ما هو واجب علينا ان نسبقها فيه»، قال لـ«الجمهورية»: «سعاة الخير يبذلون جهداً، ومعلوماتي تؤكّد انّ القطريين سيجددون مسعاهم في بيروت في القريب العاجل، والفرنسيون قالوا انّهم سيبادرون، وامام هذا الجهد، دورنا محدّد بأن نتفاعل ايجاباً مع الجهد الخارجي ونتلقفه بتغليب إرادة التوافق، وأسماء المرشحين معروفة، ليس بالضرورة التوافق الشامل، بل توافق الممكن على النزول بمرشّح او اثنين او اكثر الى مجلس النواب، والالتزام بتوفير نصاب انعقاد جلسة الانتخاب، والاستمرار فيها حتى انتخاب الرئيس».

ورداً على سؤال عمّا اذا كان التوافق ممكناً، قال: «التوافق لا بدّ أن يحصل، وسيحصل في نهاية الأمر، وكلما تأخّرنا في ذلك، فكأننا ننكي أنفسنا ونشتري ما يؤذينا ويؤذي بلدنا للاشيء، وهذه هي حالنا حالياً مع الأسف».

اضاف: «مخطئ من يقول إنّنا لا نستطيع أن نتوافق، فلدينا تجربة توافقية ناجحة «بعدها طازة»، تجلّت قبل أيام قليلة في جلسة التمديد لقائد الجيش والضباط ممن هم في رتبة لواء، حيث تمّت بالتوافق بين توجّهات سياسية مختلفة. وهذا التوافق الذي حصل في جلسة التمديد نستطيع ان نستنسخه ونسقطه على جلسة انتخاب رئيس الجمهورية».

وتجنّب المرجع عينه الحديث عن تفاؤل مسبق حول التحرّك المنتظر، واكتفى بالقول: «يتحدثون عن جهد مضاعف لصياغة توافق يعجّل في انتخاب رئيس للجمهورية، لن أستبق الامور وأجازف بالتفاؤل، كما لا أجازف بالتشاؤم. وطالما انّ جوهر الحراك كما قيل لنا هو مساعدة اللبنانيين على التوافق، فهذه في رأيي فرصة مهمّة من الواجب التجاوب معها».

الاّ انّ مصادر سياسية أخرى تصف الحراك المنتظر بـ«المهمّة الصعبة»، وقالت: «بمعزل عن شكل ومضمون هذا الحراك، فأمامه حاجز داخلي ما زال منصوباً بذات الشروط التعطيلية، امام اي جهد داخلي او خارجي. واحتمال أن يكسر هذا الحاجز في الأساس ضعيف جداً، حيث أنّ سماكة هذا الحاجز تتبدّى في أنّ كل طرف لم يتراجع حتى الآن عن مرشحه، ويعتبره الأصلح لرئاسة الجمهورية، واما السماكة الأكبر فتتبدّى في انعدام إرادة التوافق وعدم التجاوب مع أي مسعى او دعوة في هذا الاتجاه».

يقرأون الآن