اللاعب الرمادي

ينتظر المجتمع الدولي من لبنان أن يتخذ القرارات الصعبة في لحظة إقليمية دقيقة، لكنه يفضّل التريّث والانتظار، متجنّباً أي خطوة قد تؤدي إلى تداعيات غير محسوبة. الدولة اللبنانية اليوم عالقة بين محاذير هزّ الاستقرار ومتطلبات استعادة سلطتها، لكنها لا تزال متردّدة، فتظهر إشارات ضعف لا تنفع في معادلة توازنات القوى، التي تميل نحو تضييق الخناق على محور الممانعة وأذرعه.

هذا التردّد لم يعد مقبولاً لدى المجتمع الدولي، الذي ينظر إلى الدولة اللبنانية كلاعب رماديّ، لا يحسم موقفه ولا يلتزم بمسار واضح. لبنان لا يمكنه الاستمرار في الوقوف على رصيف الانتظار، مترقباً ما ستؤول إليه التطوّرات الإقليمية، وتحديداً مصير طهران في المواجهة المفتوحة مع الغرب. فالمعادلة في حسابات الدولة واضحة: إن تلقت طهران ضربة قوية، فإن "حزب اللّه" سيتأثر سلباً، وإن حصلت تسوية دولية معها، فسيُطلب منها تقديم تنازلات، ما سيضعف "الحزب" أيضاً.

هذا التموضع الرماديّ لم يعد مجدياً، خصوصاً أن رسائل واشنطن وصلت إلى بيروت قبل أن تأتي الناطقة باسم الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس، بالخبر اليقين. فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا ينظرون بعين الرضا إلى أي تلكؤ لبناني في اتخاذ خطوات إصلاحية وسيادية حقيقية، ولم يعد المجتمع الدولي مهتماً بتبريرات الحياد السلبي أو الحذر المفرط.

في ظل هذه المعادلة، يظهر أن سياسة الانتظار لم تعد ذات جدوى، لأن الضغوط الخارجية تتزايد، والداخل اللبناني يترنّح تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والمالي. المطلوب اليوم من الدولة اللبنانية أن تحسم موقفها، وألّا تبقى في موقع اللاعب الرماديّ، الذي يحاول تفادي العواصف من دون أن يملك مقوّمات الصمود. فإما أن تتخذ خطوات جريئة تعيد التوازن إلى مؤسّساتها وتضع حداً لحالة اللاقرار، وإما أن تجد نفسها أمام خيارات تُفرض عليها من الخارج، من دون أن يكون لها أي تأثير في صياغتها.

المرحلة المقبلة لا تحتمل المواقف الضبابية، ولا يمكن للبنان أن يبقى متحصناً خلف جدار الانتظار. الرسائل الدولية واضحة، والضغوط تتزايد، وكل تأخير إضافي لن يكون في صالح الدولة، بل سيفاقم ضعفها، ويفتح الباب أمام فرض معادلات جديدة لن تكون لصالح السيادة اللبنانية.

نداء الوطن

يقرأون الآن