لبنان آخر تحديث في 
آخر تحديث في 

غوتيريش يطلق من السراي نداءً إنسانيًا لدعم لبنان.. سلام: مصممون على حصر السلاح

غوتيريش يطلق من السراي نداءً إنسانيًا لدعم لبنان.. سلام: مصممون على حصر السلاح

تصوير: عباس سلمان

انعقد في السراي الكبير بعد ظهر اليوم مؤتمر إطلاق النداء الإنساني العاجل للبنان ٢٠٢٦، والهادف إلى تأمين تمويل بقيمة 325 مليون دولار أميركي لدعم لبنان، وهو إطارٌ متكامل لاستجابةٍ منسّقة، يعزّز في الوقت نفسه الأنظمة الوطنية التي سنحتاج إليها خلال الأزمة وبعدها.

وذلك في حضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وسفراء الدول المانحة، وممثلين عن المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة.

كما حضر: وزير المالية ياسين جابر، وزير الطاقة والمياه جو صدي، وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وزير الزراعة نزار هاني، ووزير الصحة العامة ركان ناصر الدين.

سلام

وكانت كمة لرئيس سلام استهلها قائلا:

"أود أن أعرب لكم عن خالص تقديري لوقوفكم إلى جانب لبنان في هذا الظرف الدقيق.

إن وجودكم بيننا اليوم في بيروت يبعث برسالة تضامن قوية وواضحة في لحظة يواجه فيها بلدي أحد أخطر فصول تاريخه الحديث.

خلال زيارتكم الأخيرة إلى لبنان في كانون الثاني الماضي، تحدثتم عن الأمل، وقلتم إن "نافذة قد فُتحت تمهّد الطريق لعصر جديد من الاستقرار المؤسسي."

غير أن هذه النافذة التي بشّرت بالأمل باتت اليوم مهددة بالإغلاق.

وكما أشرتم قبل أيام قليلة، يجد الشعب اللبناني نفسه مرة أخرى في مرمى النيران.

والحقيقة انه صراع لم يختره. صراع لم يرده.

في الأسابيع القليلة الماضية، ومع اشتداد العمليّات العدائيّة، أجبر أكثر من تسعمائة ألف انسان، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة مقيمين، على النّزوح من بيوتهم والبحث عن ملجأ يأويهم على امتداد الأراضي اللبنانيّة .

في جنوب لبنان، تُفرَغ قرًى وبلدات كاملة من سكّانها بين ليلة وضحاها.

العائلات تهرب من منازلها حاملةً ما تيسّر .

المدارس تحولت إلى مراكز إيواء.

المستشفيات تعمل فوق طاقتها مُثقلة بالمصابين والمرضى .

والخدمات الأساسية تتعرّض لضغطٍ هائل.

قُتل المئات، وأُصيب الآلاف.

وخلف كلّ رَقَم قصّة إنسانيّة: طفل، أو أب، أو أمّ، أو عائلة انقلبت حياتها فجأة رأساً على عقب ووجدت نفسها في مواجهة ظروف قاسية لا يمكن وصفها.

مجتمعنا أنهكته سنوات طويلة من الأزمات والصراعات المتواصلة يجد نفسه اليوم على حافة ما يفوق قدرته على الاحتمال.

السيدات والسادة،

إن الحروب الحديثة اخذت تمحو القواعد التي كانت تضبط النزاعات في الماضي.

وعندما تنهار هذه الحدود ما من مكان امن .

التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وهو حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني، بات مهددا وأصبح أقلّ وضوحاً.

دعوني أن أوكّد بوضوح لا لبس فيه:

لبنان لم يختر هذه الحرب.

العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها والنوم في الشوارع، أو في سياراتها، أو في مراكز إيواء مكتظة، لم تختر هذه الحرب.

الأطفال الذين يستيقظون كل صباح على مشاعر الخوف من غارة مفاجئة قد تطال جاراً أو عابر سبيل أو مدرسة، لم يختاروا هذه الحرب.

ولا يجوز أن يتحملوا عبء مُعاناة فُرضت عليهم.

لا مبرر لاحتجاز شعب بأكمله رهينة.

شعب لبنان ليس ساحة معركة.

ومستقبل لبنان ليس أضراراً جانبية.

إن وقفاً فورياً لإطلاق النار ليس خياراً سياسياً فحسب ، بل ضرورة إنسانية ملحّة.

القتال يجب أن يتوقف.

وعلينا حماية المدنيين،

واحترام القانون الدولي الإنساني احتراماً كاملا

أصحاب السعادة،

إن حكومتي مصممة على استعادة سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها،

وقد اتخذنا بالفعل خطوات حاسمة في هذا الاتجاه لضمان أن تكون الدولة وحدها صاحبة الحق الحصري في حمل السلاح.

• فقد قام الجيش اللبناني بالفعل بتفكيك أكثر من خمسمائة موقع عسكري ومستودع أسلحة جنوب نهر الليطاني، وذلك في إطار خطّة شاملة تهدف إلى حصر السلاح تحت سلطة الدولة وحدها.

• كذلك اتخذت الحكومة قراراً واضحاً بحظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله ولجميع الجهات غير الحكومية، لبنانيّة كانت أم غير اللبنانية، مع دعوة جميع الأطراف إلى تسليم أسلحتها إلى الدولة، وحصر العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

إن هذه الإجراءات ليست خطوات رمزية، بل خطوات عملية تهدف إلى بناء إطار أمني وطني موحّد ومستقر.

• وفي الوقت ذاته، عززنا التدابير الأمنية والرقابية على الحدود، وفي مطار بيروت الدولي، وعلى الطرق الحيوية، حمايةً لمواطنينا ولشركائنا الدوليين.

• وقد اتخذت الأجهزة الأمنية ايضا إجراءات حازمة بحق الذين اعتدوا على قوات اليونيفيل، تأكيداً على التزامنا الراسخ بحماية شركائنا الدوليين الذين يدعمون استقرار لبنان.

وعلى الصعيد الدبلوماسي،

جددتُ التأكيد على استعداد لبنان استئناف المفاوضات مع إسرائيل تحت رعاية دولية وبمشاركة مدنية.

مع استمرار هذه الحرب، يقف لبنان اليوم على حافة هاوية إنسانية.

ومن دون تعبئة سريعة وفعّالة للدعم الدولي، فإن التداعيات الإنسانية مرشحة للتفاقم بشكل كبير في الأيام والأسابيع المقبلة.

ومن هنا، فإنني أدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانب لبنان؛ ليس فقط بكلمات التضامن، على أهميتها، بل من خلال تحرك سياسي وإنساني حاسم.

نعم، نحن بحاجة عاجلة إلى مساعدات إنسانية منسقة:

من إمدادات طبية، وغذاء، ومأوى، ووقود لضمان استمرار عمل البنى التحتية الحيوية.

لكننا نحتاج أيضاً إلى جهد دبلوماسي متواصل لوقف التصعيد،

وإلى دعم يعيد الاستقرار إلى لبنان، ويعيد إحياء الأمل بإمكانية تحقيق سلام عادل ودائم في منطقتنا.

السيد الأمين العام، السيدات والسادة،بالنسبة للبنان، هذه لحظة بقاء.وبالنسبة للمجتمع الدولي، هذه لحظة مسؤولية.

ولنتذكر دائماً أن التاريخ لن يحكم علينا بما نقوله من كلمات، بل بما نزرعه من أمل.

أشكركم مجدداً لوقوفكم إلى جانب لبنان اليوم".

غوتيريش

والقى الأمين العام للأمم المتحدة كلمة جاء فيها:

"أصحاب السعادة، الزملاء، الشركاء، أنا هنا اليوم في زيارة تضامن مع شعب لبنان. إن التضامن بالكلمات يجب أن يقترن بالتضامن بالأفعال.

ولهذا يسعدني أن أنضم إليكم اليوم لإطلاق نداء إنساني عاجل بقيمة 325 مليون دولار أمريكي لدعم شعب لبنان.

هذه المساعدة مطلوبة بشكل طارئ. إن التصعيد العسكري في مختلف أنحاء المنطقة يخلّف خسائر فادحة، بما في ذلك في لبنان.

فقد قُتل مئات المدنيين هنا في لبنان، بينهم عدد كبير من الأطفال.

وقد اقتُلعت مجتمعات بأكملها من أماكنها.وانقلبت حياة الناس رأساً على عقب. وأصبحت أوامر الإخلاء تمتد اليوم إلى مناطق أوسع في البلد أكثر من أي وقت مضى.

كما تعرّض الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية لاضطراب خطير.

وقد نزح أكثر من 759 ألف شخص داخل لبنان.كما عبر أكثر من 90 ألف شخص – معظمهم من السوريين، إضافة إلى لبنانيين – إلى سوريا.

وفي ظل هذه الاضطرابات، شهدنا شجاعة وتضامناً استثنائيين على الأرض.

فتحت المدارس أبوابها لإيواء العائلات النازحة.

ويواصل العاملون في القطاع الصحي تقديم خدماتهم تحت ضغط هائل.

كما تُظهر المجتمعات المحلية قدرة كبيرة على الصمود، حتى بعد أن نزحت مراراً وتكراراً.

تعمل هيئات الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون بشكل وثيق مع السلطات المحلية للاستجابة بشكل عاجل، من خلال توفير الوجبات الساخنة، ومياه الشرب الآمنة، ومستلزمات النظافة، والمواد الإغاثية الأساسية.

هذه الجهود تنقذ الأرواح. لكنها تحتاج إلى دعم أكبر بكثير.

إن النداء الإنساني العاجل الذي نطلقه اليوم سيُسهم في الحفاظ على المساعدات المنقذة للحياة وتوسيع نطاقها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بما يشمل الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم والحماية وخدمات حيوية أخرى.

ويعتمد نجاح هذا النداء على توفير التمويل السريع والمرن، وعلى ضمان تمكّن العاملين في المجال الإنساني من الوصول بأمان إلى من هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة.

اسمحوا لي أن أختتم بهذه الملاحظة.

في مختلف أنحاء البلاد الآن، تصوم العائلات المسلمة في شهر رمضان المبارك، فيما تحيي العائلات المسيحية زمن الصوم الكبير.

وهذه مواسم تقوم على الرحمة والعطاء. وهي تعكس روح شعب لبنان الحقيقية.فلسنوات طويلة، فتح لبنان أبوابه أمام الهاربين من النزاعات.

وقد أظهر شعب لبنان للعالم المعنى الحقيقي للضيافة والتضامن والصمود. والآن، على العالم أن يُظهر لشعب لبنان أقوى أشكال الدعم في هذه الساعة العصيبة من الخطر والحاجة العميقة.

كلمة وزيرة الشؤون

وألقت وزير الشؤون الاجتماعية حنين السيد كمة جاء فيها: أشكركم على حضوركم اليوم في لحظةٍ بالغة الإلحاح بالنسبة إلى لبنان.

خلال الأيام الماضية، قمتُ بزيارة عدد من مراكز الإيواء الجماعي في مختلف أنحاء لبنان، والتقيتُ بعائلات اضطرّت إلى مغادرة منازلها على عجل، ولم تحمل معها سوى ما تيسّر. رأيتُ آباءً يحاولون بثّ الطمأنينة في نفوس أطفالٍ يعتريهم الخوف، وكبارًا في السن يحتاجون إلى استمرارية في الرعاية، وأشخاصًا من ذوي الإعاقة تواجه احتياجاتهم تحديات إضافية كثيرًا ما تُغفل في حالات الطوارئ.

اليوم، يقارب عدد النازحين مليون شخص، فيما يُقدَّر أن هذه الأزمة تطال نحو 1.3 مليون إنسان. ويشكّل الأطفال قرابة نصف المتأثرين، فيما تمثل النساء والفتيات أكثر من نصفهم.

غير أنّ هذه الأزمة لا تُختزل بمن نزحوا وحدهم. فمنذ الساعات الأولى، تحمّلت المجتمعات المضيفة والبلديات والمدارس والعائلات صدمةً هائلة. فتح الناس أبوابهم، وتقاسموا ما لديهم، وأثبتوا مرةً أخرى أنّ روح التضامن في لبنان قادرة على الصمود حتى في أحلك الظروف.

وخلال ساعات قليلة من التصعيد الذي بدأ في الأول من آذار، فعّلت الحكومة اللبنانية استجابتها الطارئة عبر تنسيق مركزي في السراي الكبير بقيادة دولة رئيس مجلس الوزراء، مع نشر فرق العمل التنفيذية في مختلف المحافظات. وتُنفَّذ هذه الاستجابة بالتنسيق الوثيق مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين.

واليوم، تعمل مؤسسات الدولة بأقصى درجات الجهوزية على الأرض، بمشاركة 2,600 من الهيئة التعليمية، و600 أخصائي اجتماعي، و6,800 عنصر من الدفاع المدني، إلى جانب فرق البلديات المنتشرة في 24 قضاءً.

إن استجابتنا ليست فعلًا آنيًا؛ بل تقوم على أنظمة قائمة وبيانات آنية وآليات تتيح تعبئة المساعدات بسرعة وفق احتياجات محددة. وهي أنظمة تساعدنا على توجيه الدعم إلى حيث تكون الحاجة أشدّ، وعلى استخدام الموارد بكفاءة، وبما يرسّخ الثقة ويعزز المساءلة.

وقد جرى توسيع القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء عبر استخدام مرافق عامة، مع الحرص على أن يكون الوصول إليها متاحًا للجميع. وفي الوقت ذاته، نعمل مع شركائنا على تحسين شروط الإيواء وتعزيز إمكانية الوصول، ولا سيّما للأشخاص ذوي الإعاقة وللفئات الأكثر عرضة.

كما تتواصل الجهود لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات، من خلال مساعدات نقدية تمكّن العائلات من تلبية احتياجاتها العاجلة، وتخفف من حدّة الصدمة، وتدعم الأسواق المحلية في آنٍ واحد.

وتبقى الشفافية ركيزة لا غنى عنها في عملنا. لذلك نستثمر في التسجيل المركزي، وتطوير أنظمة البيانات، وتعزيز تتبّع إيصال المساعدات، لضمان أن يترجم كل دعم يُقدَّم إلى أثرٍ ملموس يصل إلى من هم بأمسّ الحاجة إليه.

يأتي هذا التصعيد في لحظةٍ شديدة الهشاشة بالنسبة إلى لبنان. فبلدنا لم يبدأ إلا بالكاد باستعادة قدرٍ محدود من الزخم بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة. وهذه الحالة الطارئة تهدد بتقويض ما تحقق بشق الأنفس، وتعميق مستويات الفقر، وزيادة الضغط على الخدمات العامة وعلى المجتمعات التي تتحمل أصلًا أعباءً كبيرة.

ومن هنا تبرز أهمية هذا النداء الإنساني العاجل. فهو ليس مجرد طلب تمويل، بل إطارٌ متكامل لاستجابة منسقة تحمي الناس اليوم، وتعزز في الوقت نفسه الأنظمة الوطنية التي سنحتاج إليها خلال الأزمة وبعدها.

إننا نتحرك اليوم واضعين المستقبل نصب أعيننا. فعندما تنتهي هذه الأزمة، ينبغي للبنانيين في كل أنحاء البلاد أن ينظروا إلى الوراء بثقة، وأن يقولوا إن دولتهم وقفت إلى جانبهم، وبذلت كل ما في وسعها للاستجابة لاحتياجاتهم، وصانت حقوقهم في أصعب الأوقات.

فهكذا تُبنى الثقة وتُستعاد: بأفعالٍ تثبت أن الدولة تبقى شريكًا مسؤولًا وموثوقًا لشعبها.

إن دعمكم لهذا النداء اليوم لا يقتصر على تلبية الاحتياجات العاجلة، بل يسهم أيضًا في صون الاستقرار، وحماية الحقوق، وإبقاء الأمل حيًا لدى الملايين في لبنان، وتأكيد أن الدولة تبقى المرجعية الأولى للحماية والأمان.

يقرأون الآن